في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (193)

189

وغاية القتال هي ضمانة ألا يفتن الناس عن دين الله ، وألا يصرفوا عنه بالقوة أو ما يشبهها كقوة الوضع الذي يعيشون فيه بوجه عام ، وتسلط عليهم فيه المغريات والمضللات والمفسدات . وذلك بأن يعز دين الله ويقوى جانبه ، ويهابه أعداؤه ، فلا يجرؤوا على التعرض للناس بالأذى والفتنة ، ولا يخشى أحد يريد الإيمان أن تصده عنه قوة أو أن تلحق به الأذى والفتنة . . والجماعة المسلمة مكلفة إذن أن تظل تقاتل حتى تقضي على هذه القوى المعتدية الظالمة ؛ وحتى تصبح الغلبة لدين الله والمنعة :

( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله . فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين )

وإذا كان النص - عند نزوله - يواجه قوة المشركين في شبه الجزيرة ، وهي التي كانت تفتن الناس ، وتمنع أن يكون الدين لله ، فإن النص عام الدلالة ، مستمر التوجيه . والجهاد ماض إلى يوم القيامة . ففي كل يوم تقوم قوة ظالمة تصد الناس عن الدين ، وتحول بينهم وبين سماع الدعوة إلى الله ، والاستجابة لها عند الاقتناع ، والاحتفاظ بها في أمان . والجماعة المسلمة مكلفة في كل حين أن تحطم هذه القوة الظالمة ؛ وتطلق الناس أحرارا من قهرها ، يستمعون ويختارون ويهتدون إلى الله .

وهذا التكرار في الحديث عن منع الفتنة ، بعد تفظيعها واعتبارها أشد من القتل . . هذا التكرار يوحي بأهمية الأمر في اعتبار الإسلام ؛ وينشىء مبدأ عظيما يعني في حقيقته ميلادا جديدا للإنسان على يد الإسلام . ميلادا تتقرر فيه قيمة الإنسان بقيمة عقيدته ، وتوضع حياته في كفة وعقيدته في كفة ، فترجح كفة العقيدة . كذلك يتقرر في هذا المبدأ من هم أعداء " الإنسان " . . إنهم أولئك الذين يفتنون مؤمنا عن دينه ، ويؤذون مسلما بسبب إسلامه . أولئك الذين يحرمون البشرية أكبر عنصر للخير ويحولون بينها وبين منهج الله . . وهؤلاء على الجماعة المسلمة أن تقاتلهم ، وأن تقتلهم حيث وجدتهم ( حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) . .

وهذا المبدأ العظيم الذي سنه الإسلام في أوائل ما نزل من القرآن عن القتال ما يزال قائما . وما تزال العقيدة تواجه من يعتدون عليها وعلى أهلها في شتى العصور . . وما يزال الأذي والفتنة تلم بالمؤمنين أفرادا وجماعات وشعوبا كاملة في بعض الأحيان . . وكل من يتعرض للفتنة في دينه والأذى في عقيدته في أية صورة من الصور ، وفي أي شكل من الأشكال ، مفروض عليه أن يقاتل وأن يقتل ؛ وأن يحقق المبدأ العظيم الذي سنه الإسلام ، فكان ميلادا جديدا للإنسان . .

فإذا انتهى الظالمون عن ظلمهم ؛ وكفوا عن الحيلولة بين الناس وربهم ؛ فلا عدوان عليهم - أي لا مناجزة لهم - لأن الجهاد إنما يوجه إلى الظلم والظالمين :

( فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ) .

ويسمى دفع الظالمين ومناجزتهم عدوانا من باب المشاكلة اللفظية . وإلا فهو العدل والقسط ودفع العدوان عن المظلومين .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ} (193)

ولما كان المراد بما مضى من {[8268]}قتالهم كف{[8269]} أذاهم بأي فعل كان حققه{[8270]} بقوله : { وقاتلوهم } أي هؤلاء الذين نسبناهم{[8271]} إلى قتالكم وإخراجكم وفتنتكم{[8272]} أعم من أن يكونوا كفاراً أو{[8273]} لا { حتى لا تكون فتنة } أي توجد فتنة بأن لا يقدروا أن يؤذوا{[8274]} أحداً من{[8275]} أهل الإسلام ليردوه عن دينه أو يخرجوه من داره أو يخلعوه{[8276]} من ماله أو يغلبوه على حقه ، فقتال كل من وقع منه ذلك كفراً أو بغياً في سبيل الله حتى يفيء{[8277]} إلى أمر الله { ويكون الدين } {[8278]}أي الطاعة والعبادة . ولما كان هذا في أوائل ما بعد الهجرة قبل أن يروا من نصر الله لهم ما يقوي عزائمهم أعراه{[8279]} من التأكيد فقال : { لله } أي {[8280]}الذي لا كفوء له{[8281]} خاصاً به بأن يكون أمر المسلمين ظاهراً{[8282]} ، {[8283]}ليس للشيطان فيه نصيب{[8284]} ، لا{[8285]} يقدر أحد من أهل الكفر ولا أهل البغي على التظاهر بأذى{[8286]} أحد منهم ، {[8287]}وذلك بأن لا يبقى مشرك أصلاً ولا يبقى كتابي إلا ألزم{[8288]} الصغار بالجزية ، والحكمة في إبقائهم دون المشركين أن لهم كتباً أمهلوا{[8289]} لحرمتها ولينظروا{[8290]} فيها فيقفوا على الحق منها فإنها وإن كانت قد وقع فيها التحريف قد بقي فيها ما يهدي الموفق{[8291]} لأنها لم يعمها التحريف ، وأما أهل الأوثان فليس لهم ما يرشدهم إلى الحق فكان إمهالهم زيادة في شركهم مقطوعاً بها من غير فائدة تنتظر . قال الحرالي : ففي{[8292]} طيه إشعار بما{[8293]} وقع وهو واقع وسيقع من قتال طائفة الحق لطائفة البغي سائر اليوم المحمدي بما تخلص من الفتنة ويخلص{[8294]} الدين لله توحيداً {[8295]}ورضى وثباتاً{[8296]} على حال السلف الصالح وزمان الخلافة والنبوة - انتهى . { فإن انتهوا } أي كلفوا أنفسهم الرجوع عما استوجبوا به القتال فقد تركوا الظلم ، والنهي قال الحرالي الحكم المانع من الفعل المترامي{[8297]} إليه بمنزلة أثر{[8298]} العقل المسمى نُهى لمنعه عما تهوي{[8299]} إليه النفس مما يستبصر فيه النهى ، قال عليه الصلاة والسلام : " ليليني منكم{[8300]} أولو الأحلام والنهى " فمن لم يكن من أهل النهى كان نهاه{[8301]} النهى وهو الحكم المذكور - انتهى . { فلا عدوان } {[8302]}أي فلا سبيل{[8303]} يقع فيه العدو الشديد{[8304]} للقتال عليهم ، فإنه لا عدوان { إلا على الظالمين * } قال الحرالي : فذكر الظلم الشامل لوجوه إيقاع{[8305]} الأمر في غير موضعه من أعلى الدين إلى أدناه - انتهى . ويجوز أن يكون{[8306]} التقدير : فإن انتهوا عن الشرك فقد انتفى عنهم اسم الظلم فلا تعتدوا عليهم ، فإن اعتديتم عليهم {[8307]}سلطناً عليكم{[8308]} لظلمكم لهم من يعتدي عليكم ، فإنه لا عدوان إلا على الظالمين الذين دخلتم في مسماهم وخرجوا من مسماهم بالانتهاء ، فلا عدوان إلاّ عليكم لا عليهم ، {[8309]}ومعنى العدوان القتال بغاية العدو والشدة والعزم{[8310]} .


[8268]:في ظ: قالهم.
[8269]:في ظ: قالهم.
[8270]:في الأصل: حقيقة والتصحيح من م وظ.
[8271]:من م وظ، وفي الأصل: سبيناهم.
[8272]:في م وظ: فتنكم.
[8273]:من م وظ، وفي الأصل: و.
[8274]:من م وظ، وفي الأصل: يودوا.
[8275]:من م وظ، وفي الأصل: منكم.
[8276]:من م وظ وفي الأصل: يجعلوه.
[8277]:من م وظ وفي الأصل: تفئ.
[8278]:العبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ.
[8279]:قيل وجاء في الأنفال "ويكون الدين كله لله" ولم يجئ هنا كلمة لأن آية الأنفال في الكفار عموما وهنا في مشركي كفار مكة فناسب هناك التعميم ولم يحتج هنا إليه – البحر المحيط 2 / 68.
[8280]:ليست في ظ.
[8281]:ليست في ظ.
[8282]:من م وظ، وفي الأصل: ظاهر.
[8283]:ليست في ظ.
[8284]:ليست في ظ.
[8285]:في م: فلا.
[8286]:في الأصل: بادني والتصحيح من م، وفي ظ: يادى – كذا.
[8287]:العبارة من هنا إلى "فائدة تنتظر" ليست في ظ.
[8288]:من م، وفي الأصل وظ: ذلتهم.
[8289]:في الأصل: امتثلوا والتصحيح من م.
[8290]:في الأصل: ولينتظروا والتصحيح من م.
[8291]:من م، وفي الأصل: الموقف.
[8292]:في الأصل: ففيه، والتصحيح من م وظ.
[8293]:في الأصل: مما والتصحيح من م وظ.
[8294]:في ظ: تخلص.
[8295]:إلى هنا انتهت العبارة المطموسة من مد.
[8296]:في الأصل: وقتا والتصحيح من بقية الأصول.
[8297]:في الأصل: الترامى، والتصحيح من بقية الأصول.
[8298]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الر- كذا.
[8299]:في الأصل: نهوا، والتصحيح من بقية الأصول.
[8300]:في الأصل: فيكم والتصحيح من م وظ ومد.
[8301]:في الأصل نهاره والتصحيح من م وظ ومد.
[8302]:العبارة من هنا إلى "للقتال" ليست في ظ.
[8303]:زيد من م ومد وفي الأصل: الشدايد.
[8304]:قال أبو حيان الأندلسي: والعدوان مصدر عدا بمعنى اعتدى وهو نفي عام أي لا يؤخذ فرد فرد من أنواعه البتة إلا على من ظلم ويراد بالعدوان الذي هو الظلم الجزاء، سماه عدوانا من حيث هو جزاء عدوان....وقال الرماني: إنما استعمل لفظ العدوان في الجزاء من غير مزاوجة اللفظ لأن مزاوجة اللفظ مزاوجة المعنى كأنه يقول: انتهوا عن العدوان فلا عدوان إلا على الظالمين – البحر المحيط 2 / 68.
[8305]:في الأصل/ اتباع، والتصحيح من بقية الأصول.
[8306]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يمكن.
[8307]:في الأصل: سلطا عليهم، والتصحيح من بقية الأصول.
[8308]:في الأصل: سلطا عليهم والتصحيح من بقية الأصول.
[8309]:ليست في ظ.
[8310]:ليست في ظ.