في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ} (65)

ومرة أخرى يواجههم بمظهر من مظاهر النكث والنكسة ، والتحلل من العهد والعجز عن الاستمساك به ، والضعف عن احتمال تكاليفه ، والضعف أمام الهوى أو النفع القريب :

( ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت : فقلنا لهم : كونوا قردة خاسئين ، فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها ، وموعظة للمتقين ) . .

وقد فصل القرآن حكاية اعتدائهم في السبت في موضع آخر فقال : ( واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ) . . فلقد طلبوا أن يكون لهم يوم راحة مقدس ، فجعل الله لهم يوم السبت راحة مقدسا لا يعملون فيه للمعاش . ثم ابتلاهم بعد ذلك بالحيتان تكثر يوم السبت ، وتختفي في غيره ! وكان ابتلاء لم تصمد له يهود ! وكيف تصمد وتدع هذا الصيد القريب يضيع ؟

أتتركه وفاء بعهد واستمساكا بميثاق ؟ إن هذا ليس من طبع يهود !

ومن ثم اعتدوا في السبت . اعتدوا على طريقتهم الملتوية . راحوا يحوطون على الحيتان في يوم السبت ، ويقطعونها عن البحر بحاجز ، ولا يصيدونها ! حتى إذا انقضى اليوم تقدموا وانتشلوا السمك المحجوز !

( فقلنا لهم : كونوا قردة خاسئين ) . .

لقد حق عليهم جزاء النكول عن عهدهم مع الله ، والنكوص عن مقام الإنسان ذي الإرادة . فانتكسوا بهذا إلى عالم الحيوان والبهيمة ، الحيوان الذي لا إرادة له ، والبهيمة التي لا ترتفع على دعوة البطون ! انتكسوا بمجرد تخليهم عن الخصيصة الأولى التي تجعل من الإنسان إنسانا . خصيصة الإرادة المستعلية المستمسكة بعهد الله .

وليس من الضروري أن يستحيلوا قردة بأجسامهم ، فقد استحالوا إليها بأرواحهم وأفكارهم ، وانطباعات الشعور والتفكير تعكس على الوجوه والملامح سمات تؤثر في السحنة وتلقي ظلها العميق !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ} (65)

ثم جاءت قصة المعتدين في السبت مؤكدة لذلك إذ كان حاصلها أنهم لما ضيعوا أمراً واحداً من أوامره واستخفوا به وهو تحريم السبت عذبهم بعذاب لم يعذب به أحداً من العالمين فقال : ولقد وأقرب من ذلك أن يقال إنه سبحانه لما ذكرهم بنعمة العفو الحافظ لهم من الخسران قرعهم بجلافة أخرى لهم خذل بها فريقاً منهم حتى غلبهم الخسران {[3026]}فما ضروا{[3027]} إلاّ أنفسهم مقسماً على أنهم بها عالمون ولها مستحضرون ، فقال تعالى{[3028]} عاطفاً على ما تقديره : لقد علمتم جميع ذلك من عهودنا وما ذكرنا من الإيقاع بمن نقض{[3029]} من شديد وعيدنا ومن التهديد على ذلك بضرب الذلة وما تبعها من أنواع النكال . و { لقد } أي وعزتي لقد { علمتم الذين اعتدوا } أي تعمدوا العدوان { منكم في السبت } بأن{[3030]} استحلوه وأصل السبت القطع للعمل ونحوه .

{ فقلنا }{[3031]} أي فتسبب عن اعتدائهم أن قلنا{[3032]} بما لنا من العظمة{[3033]} . " لهم{[3034]} كونوا " بإرادتنا{[3035]} { قردة خاسئين * } أي صاغرين مطرودين جمع خاسىء من الخسىء وهو طرد بكره واستخباث{[3036]} ، وسبب ذلك{[3037]} أن الله تعالى أمرهم بيوم الجمعة فأبوا{[3038]} إلا السبت ، فألزمهم الله إياه وجعله لهم محنة وحرم عليهم فيه العمل ، فاصطادوا على تهيب وخوف من العقوبة ، فلما طال زمن{[3039]} عفوه عنهم وحلمه سبحانه فتجاهروا بالمعصية مسخ منهم من عصى بالمباشرة ومن سكت عن النهي عن المنكر .


[3026]:في م: لم يصلح.
[3027]:في م: فاضروا وفي مد: فما ضرا – كذا.
[3028]:العبارة من هنا إلى "النكال" ليست في ظ.
[3029]:في م: نقص.
[3030]:في م: أي.
[3031]:زيد في م: لهم.
[3032]:ليست في ظ.
[3033]:ليست في ظ.
[3034]:ليس في م.
[3035]:ليس في ظ.
[3036]:العبارة من هنا إلى "عن المنكر" ليست في ظ.
[3037]:قال أبو حيان: والاعتداء كان على ما نقل من أن موسى أمره الله بصوم يوم الجمعة وعرفه فضله كما أمر به سائر الأنبياء فذكر ذلك لبني إسرائيل وأمرهم بالتشرع فيه فأبوه وتعدوه إلى يوم السبت فأوحى الله إلى موسى أن دعهم وما اختاروه وامتحنهم فيه بأن أمرهم بترك العمل وحرم عليهم فيه صيد الحيتان فلم يظهر واللسبت الآخر فبقوا على ذلك زمانا حتى اشتهوا الحوت، فعمد رجل يوم السبت فربط حوتا بخزمة وضرب له وتدا بالساحل فلما ذهب السبت جاء فأخذه فكان هذا من أعظم الاعتداء
[3038]:ليس في م
[3039]:ليس في م.