في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (67)

40

وفي نهاية هذا الدرس تجيء قصة " البقرة " . . تجيء مفصلة وفي صورة حكاية ، لا مجرد إشارة كالذي سبق ، ذلك أنها لم ترد من قبل في السور المكية ، كما أنها لم ترد في موضع آخر ؛ وهي ترسم سمة اللجاجة والتعنت والتلكؤ في الاستجابة ، وتمحل المعاذير ، التي تتسم بها إسرائيل :

( وإذ قال موسى لقومه : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة . قالوا : أتتخذنا هزوا ؟ قال : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين . قالوا : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ؟ قال : إنه يقول : إنها بقرة لا فارض ولا بكر ، عوان بين ذلك ، فافعلوا ما تؤمرون . قالوا : ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها ؟ قال : إنه يقول : إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين . قالوا : ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ، إن البقر تشابه علينا ، وإنا إن شاء الله لمهتدون . قال : إنه يقول : إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ، مسلمة لا شية فيها . قالوا : الآن جئت بالحق . فذبحوها وما كادوا يفعلون . . وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها ، والله مخرج ما كنتم تكتمون . فقلنا : اضربوه ببعضها ، كذلك يحيي الله الموتى ، ويريكم آياته لعلكم تعقلون . . )

وفي هذه القصة القصيرة - كما يعرضها السياق القرآني - مجال للنظر في جوانب شتى . . جانب دلالتها على طبيعة بني إسرائيل وجبلتهم الموروثة . وجانب دلالتها على قدرة الخالق ، وحقيقة البعث ، وطبيعة الموت والحياة . ثم جانب الأداء الفني في عرض القصة بدءا ونهاية واتساقا مع السياق . .

إن السمات الرئيسية لطبيعة إسرائيل تبدو واضحة في قصة البقرة هذه : انقطاع الصلة بين قلوبهم ، وذلك النبع الشفيف الرقراق : نبع الإيمان بالغيب ، والثقة بالله ، والاستعداد لتصديق ما يأتيهم به الرسل . ثم التلكؤ في الاستجابة للتكاليف ، وتلمس الحجج والمعاذير ، والسخرية المنبعثة من صفاقة القلب وسلاطة اللسان !

لقد قال لهم نبيهم : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) . . وكان هذا القول بهذه الصيغة يكفي للاستجابة والتنفيذ . فنبيهم هو زعيمهم الذي أنقذهم من العذاب المهين ، برحمة من الله ورعاية وتعليم ؛ وهو ينبئهم أن هذا ليس أمره وليس رأيه ، إنما هو أمر الله ، الذي يسير بهم على هداه . . فماذا كان الجواب ؟ لقد كان جوابهم سفاهة وسوء أدب ، واتهاما لنبيهم الكريم بأنه يهزأ بهم ويسخر منهم ! كأنما يجوز لإنسان يعرف الله -

فضلا على أن يكون رسول الله - أن يتخذ اسم الله وأمره مادة مزاح وسخرية بين الناس :

( قالوا : أتتخذنا هزوا ؟ ) .

وكان رد موسى على هذه السفاهة أن يستعيذ بالله ؛ وأن يردهم برفق ، وعن طريق التعريض والتلميح ، إلى جادة الأدب الواجب في جانب الخالق جل علاه ؛ وأن يبين لهم أن ما ظنوه به لا يليق إلا بجاهل بقدر الله ، لا يعرف ذلك الأدب ولا يتوخاه :

( قال : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) . .

وكان في هذا التوجيه كفاية ليثوبوا إلى أنفسهم ، ويرجعوا إلى ربهم ، وينفذوا أمر نبيهم . . ولكنها إسرائيل ! نعم . لقد كان في وسعهم - وهم في سعة من الأمر - أن يمدوا أيديهم إلى أية بقرة فيذبحوها ، فإذا هم مطيعون لأمر الله ، منفذون لإشارة رسوله .

/خ73

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (67)

ولما بين تعالى قساوتهم في حقوقه عامة ثم خاصة اتبعه{[3056]} بيان جساوتهم{[3057]} في مصالح أنفسهم لينتج أنهم أسفه الناس فقال { وإذ قال موسى لقومه } بني إسرائيل { إن الله }{[3058]} أي الذي له الأمر كله{[3059]} { يأمركم أن تذبحوا بقرة } {[3060]}لتعرفوا بها أمر القتيل الذي أعياكم أمره ، {[3061]}وتاؤها ليست للتأنيث الحقيقي بل لأنها واحدة{[3062]} من الجنس فتقع على الذكر والأنثى{[3063]} . ولما كان من حقهم{[3064]} المبادرة إلى الامتثال والشكر فلم يفعلوا بيّن فظاظتهم على طريق الاستئناف معظماً لها بقوله حكاية عنهم { قالوا أتتخذنا هزواً } أي مكان هزء ومهزوءاً بنا حين نسألك عن قتيل فتأمرنا بذبح بقرة{[3065]} ، فجمعوا إلى ما أشير إليه{[3066]} من إساءتهم سوء الأدب{[3067]} على من ثبتت{[3068]} {[3069]}رسالته بالمعجزة فرد كلامه كفر{[3070]} ، فذكرهم بما رأوا منه من العلم بالله المنافي للهزء بأن قال{[3071]} { أعوذ بالله } أي أعتصم بمن{[3072]} لا كفوء له من{[3073]} { أن أكون من الجاهلين * } فإنه لا يستهزىء إلا جاهل ، والعوذ اللجاء من متخوَّف لكاف يكفيه ، والجهل التقدم في الأمور المنبهمة بغير علم - قاله الحرالي .


[3056]:قال المهائمي: ثم أشار إلى أن إعراضهم عن أمر الله لم يتأخر إلى عصر المعتدين في السبت بل كان في عصر موسى مرارا في أمر واحد قصدوا ذلك وإن فعلوه آخر – 1 / 48.
[3057]:كذا في الأصول كلها وبهامش ظ: أي غلظتهم وجفاءهم.
[3058]:ليست في ظ.
[3059]:ليست في ظ.
[3060]:قال البيضاوي: أول هذه القصة قوله تعالى: "وإذ قلتم نفسا فادراتم فيها" وغنما فكت عنه وقدمت عليه لاستقلاله بنوع آخر من مساويهم وهو الاستهزاء بالامر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال وقصة أنه كان فيهم شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه طمعا في ميراثه وطرحوه على باب المدينة ثم جاؤوا يطالبون بدمه. فأمرهم أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبر بقاتله. وقال أبو حيان: ووجه مناسبة هذه الآية فناسب ذلك ذكر هذه الآية لما تضمنت من المراجعة والتعنت والعناد مرة بعد مرة .
[3061]:ليست في ظ.
[3062]:في الأصول: واحد.
[3063]:ليست في ظ.
[3064]:في م: حقه.
[3065]:ليست في ظ.
[3066]:في ظ: إليهم.
[3067]:ليست في ظ.
[3068]:ليست في ظ.
[3069]:ليست في ظ.
[3070]:ليست في ظ.
[3071]:قال البيضاوي: لأن الهزء في مثل ذلك (أي مقام الإرشاد وبيان الأحكام) جهل وسفه نفى عن نفسه ما رمى به على طريقة البرهان وأخرج ذلك في صورة الاستعاذة استفظاعا له.
[3072]:في ظ: به.
[3073]:ليست في ظ.