( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ، والكتاب الذي نزل على رسوله ، والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . . فقد ضل ضلالا بعيدًا ) . .
إنه النداء الثاني للذين آمنوا . بصفتهم هذه التي تفردهم من الجاهلية حولهم . وتحدد وظيفتهم وتكاليفهم . وتصلهم بالمصدر الذي يستمدون منه القوة والعون على هذه التكاليف !
( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ، والكتاب الذي نزل على رسوله ، والكتاب الذي أنزل من قبل ) . .
فهو بيان لعناصر الإيمان التي يجب أن يؤمن بها الذين آمنوا . بيان للتصور الإسلامي الاعتقادي :
فهو إيمان بالله ورسوله . يصل قلوب المؤمنين بربهم الذي خلقهم ، وأرسل إليهم من يهديهم إليه ، وهو الرسول [ ص ] وإيمان برسالة الرسول وتصديقه في كل ما ينقله لهم عن ربهم الذي أرسله .
وهو إيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله . يربطهم بالمنهج الذي اختاره الله لحياتهم وبينه لهم في هذا الكتاب ؛ والأخذ بكل ما فيه ، بما أن مصدره واحد ، وطريقه واحد ؛ وليس بعضه بأحق من بعضه بالتلقي والقبول والطاعة والتنفيذ .
وهو إيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل . بما أن مصدر الكتب كلها واحد هو الله ؛ وأساسها كذلك واحد هو إسلام الوجه لله ؛ وإفراد الله سبحانه بالألوهية - بكل خصائصها - والإقرار بأن منهج الله وحده هو الذي تجب طاعته وتنفيذه في الحياة . . وهذه الوحدة هي المقتضى الطبيعي البديهي لكون هذه الكتب - قبل تحريفها - صادرة كلها عن الله . ومنهج الله واحد ، وإرادته بالبشر واحدة ، وسبيله واحد ، تتفرق السبل من حولها وهي مستقيمة إليه واصلة .
والإيمان بالكتاب كله - بوصف أن الكتب كلها كتاب واحد في الحقيقة - هو السمة التي تنفرد بها هذه الأمة المسلمة . لأن تصورها لربها الواحد ، ومنهجه الواحد ، وطريقه الواحد ، هو التصور الذي يستقيم مع حقيقة الألوهية . ويستقيم مع وحدة البشرية . ويستقيم مع وحدة الحق الذي لا يتعدد . . والذي ليس وراءه إلا الضلال ( فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ ) .
وبعد الأمر بالإيمان ، يجيء التهديد على الكفر بعناصر الإيمان ، مع التفصيل فيها في موضع البيان قبل العقاب :
( ومن يكفر بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، فقد ضل ضلالا بعيدًا ) . .
وقد ذكر في الأمر الأول الإيمان بالله وكتبه ورسله . ولم يذكر الملائكة . وكتب الله تتضمن ذكر الملائكة وذكر اليوم الآخر ، ومن مقتضى الإيمان بهذه الكتب الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر . ولكنه يبرزها هنا ، لأنه موطن الوعيد والتهديد ، الذي يبين فيه كل عنصر على التحديد .
والتعبير بالضلال البعيد غالبا يحمل معنى الإبعاد في الضلال ، الذي لا يرجى معه هدى ؛ ولا يرتقب بعده مآب !
والذي يكفر بالله الذي تؤمن به الفطرة في أعماقها كحركة ذاتية منها واتجاه طبيعي فيها ، ويكفر بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، استمدادا من كفره بالحقيقة الأولى . . الذي يكفر هذا الكفر تكون فطرته قد بلغت من الفساد والتعطل والخراب ، الحد الذي لا يرجى معه هدى ؛ ولا يرتقب بعده مآب !
ولما أمر بالعدل على هذا الوجه أمر بالحامل على ذلك ، وهو الإيمان بالشارع والمبلغ والكتاب الناهج لشرائعه المبين لسرائره الذي{[23014]} افتتح القصة بحقيته{[23015]} وبيان فائدته فقال : { يا أيها الذين ءامنوا } أي {[23016]}أقروا بالإيمان ؛ ولما ناداهم بوصف الإيمان أمرهم بما لا يحصل إلا به فقال{[23017]} مفصلاً له : { ءامنوا بالله } أي لأنه أهل لذلك لذاته المستجمع لجميع{[23018]} صفات الكمال كلها{[23019]} .
ولما كان الإيمان بالله لا يصح إلا بالإيمان بالوسائط ، وكان أقرب الوسائط إلى الإنسان الرسول قال : { ورسوله } أي{[23020]} لأنه{[23021]} المبلغ عنه سواء كان من الملك أو البشر { والكتاب الذي{[23022]} نزل } أي مفرقاً بحسب المصالح تدريجاً تثبيتاً وتفهيماً { على رسوله{[23023]} } أي لأنه المفصل لشريعتكم المتكفل بما{[23024]} تحتاجون إليه من الأحكام والمواعظ وجميع ما يصلحكم ، وهو القرآن الواصل إليكم بواسطة أشرف الخلق { {[23025]}والكتاب الذي أنزل{[23026]} } أي أوجد إنزاله ومضى ؛ ولما لم يكن إنزاله مستغرقاً للزمان الماضي بين المراد{[23027]} بقوله : { من قبل } من {[23028]}الإنجيل والزبور{[23029]} والتوراة وغيرها لأن رسولكم بلغكم{[23030]} ذلك فلا يحصل الإيمان إلا بتصديقه في كل ما يقوله .
ولما كان المؤمن الذي الخطاب معه عالماً بأن التنزيل والإنزال لا يكون إلا من الله بنياً للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وابن عامر للعلم بالفاعل ، وصرحت قراءة الباقين به .
ولما كان التقدير : فمن آمن بذلك فقد اهتدى وآمن{[23031]} قطعاً بالملائكة واليوم الآخر وغير ذلك من كل ما دعا إليه الكتاب والرسول ، عطف عليه قوله : { ومن يكفر } أي يوجد الكفر ويجدده وقتاً من الأوقات { بالله وملائكته وكتبه } أي {[23032]}التي أنزلها على أنبيائه بواسطة ملائكته أو بغير واسطة{[23033]} { ورسله } أي من الملائكة والبشر ، فكان الإيمان بالترقي للاحتياج إليه ، وكان الكفر بالتدلي للاجتراء عليه .
ولما كان الإيمان بالبعث - وإن كان أظهر شيء - مما لا تستقل{[23034]} به العقول فلا تصل{[23035]} إليه{[23036]} إلا بالرسل ، ذكره بعدهم فقال : { واليوم الآخر } أي الذي أخبرت به رسله ، وقضت به العقول الصحيحة وإن كانت لا تستقل{[23037]} بإدراكه قبل تنبيه الرسل لها عليه ، وهو روح الوجود وسره وقوامه وعماده ، فيه تكشف{[23038]} الحقائق وتجمع الخلائق ، ويظهر شمول العلم وتمام القدرة و{[23039]}يبسط ظل{[23040]} العدل وتجتني{[23041]} ثمرات الفضل { فقد ضل } وأبلغ في التأكيد لكثرة المكذبين فقال : { ضلالاً بعيداً * } أي لا حيلة في رجوعه معه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.