في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ} (4)

وعلى نفس القاعدة يجيء التعقيب الأخير :

( أولئك هم المؤمنون حقاً ، لهم درجات عند ربهم ، ومغفرة ، ورزق كريم ) . .

فهذه الصفات إنما يجدها في نفسه وفي عمله المؤمن الحق . فمن لم يجدها جملة لم يجد صفة الإيمان . وهي في الوقت ذاته تواجه الحالة التي تنزلت فيها الآيات . . ومن ثم تواجه الحرص على الشهادة بحسن البلاء ، بأن هؤلاء الذين يجدون هذه الصفات ( لهم درجات عند ربهم ) . . وتواجه ما وقع في ذات البين من سوء أخلاق - كما قال عبادة بن الصامت - بأن الذين يجدون هذه الصفات لهم عند ربهم( مغفرة ) . . وتواجه ما وقع من نزاع على الأنفال بأن الذين يجدون هذه الصفات لهم عند ربهم ( رزق كريم ) . . فتغطي الحالة كلها ، كل ما لابسها من مشاعر ومواقف . وتقرر في الوقت ذاته حقيقة موضوعية ؛ وهي أن هذه صفات المؤمنين ، من فقدها جملة لم يجد حقيقة الإيمان .

( أولئك هم المؤمنون حقاً ) . . .

وقد كانت العصبة المسلمة الأولى تُعلم أن للإيمان حقيقة لا بد أن يجدها الإنسان في نفسه ، وأنه ليس الإيمان دعوى ولا كلمات لسان ، ولا هو بالتمني . . قال الحافظ الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا ابن لهيعة ، عن خالد بن يزيد السكسكي ، عن سعيد ابن أبي هلال ، عن محمد بن أبي الجهم ، عن الحارث بن مالك الأنصاري ، أنه مر برسول الله [ ص ] فقال له : " كيف أصبحت يا حارث ? " قال : أصبحت مؤمناً حقا . قال : " انظر ما تقول ، فإن لكل شيء حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ? " فقال : عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرتُ ليلي وأظمأتُ نهاري . وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا . وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها . وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها . فقال : " يا حارث . عرفت فالزم " . . ثلاثاً . . . ولقد ذكر هذا الصحابي الذي استحق شهادة رسول الله [ ص ] له بالمعرفة من حال نفسه ، ما يصور مشاعره ويشي بما وراء هذه المشاعر من عمل وحركة . فالذي كأنه ينظر إلى عرش ربه بارزاً ، وينظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وإلى أهل النار يتضاغون فيها ، لا ينتهي إلى مجرد النظر . إنما هو يعيش ويعمل ويتحرك في ظل هذه المشاعر القوية المسيطرة التي تصبغ كل حركة وتؤثر فيها . ذلك إلى جانب ما أسهر ليله وأظمأ نهاره ، وكأنما هو ناظر إلى عرش ربه بارزاً . . . .

إن حقيقة الإيمان يجب أن ينظر إليها بالجد الواجب ؛ فلا تتميع حتى تصبح كلمة يقولها لسان ، ومن ورائها واقع يشهد ظاهرة شهادة بعكس ما يقوله اللسان ! إن التحرج ليس معناه التميع ! والشعور بجدية الحقيقة الإيمانية أوجب ؛ والتحرج في تصورها ألزم . وبخاصة في قلوب العصبة المؤمنة التي تحاول إعادة إنشاء هذا الدين في دنيا الواقع ، التي غلبت عليها الجاهلية ، وصبغتها بصبغتها المنكرة القبيحة !

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ} (4)

ولما حققوا{[34523]} إيمانهم بأفعال القلوب والجوارح والأموال ، فاستوفوا بذلك جميع{[34524]} شعب الدين ، عظم سبحانه شأنهم بقوله : { أولئك } أي العالو الهمم { هم } أي خاصة { المؤمنون } و{[34525]}أكد مضمون الجملة بقوله : { حقاً } .

ولما كانت{[34526]} صفاتهم الخمس المذكورة المشتملة على الأخلاق والأعمال لها تأثيرات في تصفية القلوب وتنويرها بالمعارف الإلهية ، وكلما كان المؤثر أقوى كانت التأثيرات أعلى ، فلما كانت هي درجات كان جزاؤها{[34527]} كذلك ، فلهذا قال سبحانه تعالى في جواب من كأنه قال : فما جزاؤهم على ذلك ؟ { لهم درجات } ولما كثرها بجمع السلامة بما دل عليه سياق الامتنان ، عظمها بقوله : { عند ربهم } أي بتسليمهم لأمره .

ولما كان قدر الله عظيماً ، وكان الإنسان عن بلوغ ما يجب عليه من ذلك ضعيفاً حقيراً ، وكان بأدنى شيء من أعماله يستفزه الإعجاب ، أشار سبحانه{[34528]} إلى أنه{[34529]} لا يسعه إلا العفو ولو بذل فوق الجهد فقال : { ومغفرة } أي لذنوبهم إن رجعوا عن المنازعة في الأنفال وغيرها ، { ورزق كريم* } أي لا ضيق فيه ولا كدر بوجه ما من منازعة ولا{[34530]} غيرها ، فهو يغنيهم عن هذه الأنفال{[34531]} ، ويملأ أيديهم من الأموال من عنائم فارس والروم وغير ذلك ، هذا في الدنيا ، واما في الآخرة فما لا يحيط به{[34532]} الوصف ؛ قال أبو حيان{[34533]} : لما تقدمت ثلاث صفات قلبية وهي الوجل وزيادة الإيمان والتوكل - وبدنية ومالية ، ترتب عليها ثلاثة أشياء ، فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات والبدنية بالغفران ، وقوبلت المالية بالرزق الكريم ، وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البديع - انتهى . ولما كان الإيمان عند الشافعي رحمه الله الاعتقاد والإقرار والعمل جوز أن يقال : مؤمن إن شاء الله ، لأن استيفاء الأعمال مشكوك فيه وإن كان الاعتقاد والإقرار يقيناً ، وعند أبي حنيفة رحمه الله الإيمان الاعتقاد والإقرار فقط ، فلم يجوز الاستثناء ، فالخلاف لفظي ، هذا إذا كان الاستثناء للشك ، وإن كان لغيره كان لكسر النفس عن التمدح ، وللشهادة بالجنة التي هي للمؤمن ، وللحكم على حالة الموت ، على أن هذه الكلمة لا تنافي الجزم ، فهي بمجرد التبرك كقوله تعالى{ لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين }{[34534]}[ الفتح : 27 ] ذكر ذلك{[34535]} الإمام فخر الدين .


[34523]:في ظ: حقوا.
[34524]:سقط من ظ.
[34525]:سقط من ظ.
[34526]:سقط من ظ.
[34527]:في ظ: أجزائها.
[34528]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[34529]:سقط ما بين الرقمين من ظ
[34530]:من ظ: وفي الأصل: لو.
[34531]:في ظ: الأفعال.
[34532]:سقط من ظ.
[34533]:راجع النهر من البحر المحيط.
[34534]:سورة 48 آية 27، وزيد بعده في ظ: وكذا.
[34535]:سقط من ظ.