في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (106)

97

والفريق الأخير هو الذي لم يبت في أمره ، وقد وكل أمره إلى ربه :

( وآخرون مُرجَون لأمر اللّه ، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ، واللّه عليم حكيم ) . .

وهؤلاء هم القسم الأخير من المتخلفين عن غزوة تبوك - غير المنافقين والمعتذرين والمخطئين التائبين - وهذا القسم لم يكن حتى نزول هذه الآية قد بت في أمره بشيء .

وكان أمرهم موكولا إلى اللّه ، لم يعلموه ولم يعلمه الناس بعد . . وقد روي أن هذه الآية نزلت في الثلاثة الذين خلفوا - أي أجل إعلان توبتهم والقضاء في أمرهم - وهم مرارة بن الربيع ، وكعب بن مالك ، وهلال ابن أمية ، الذين قعدوا عن غزوة تبوك كسلاً وميلاً إلى الدعة واسترواحاً للظلال في حر الهاجرة ! ثم كان لهم شأن مع رسول اللّه - [ ص ] - سيأتي تفصيله في موضعه من السورة في الدرس التالي .

روى ابن جرير بإسناده - عن ابن عباس - قال : لما نزلت هذه الآية . . يعني قوله : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) . . أخذ رسول اللّه [ ص ] من أموالهم . . يعني أموال أبي لبابة وصاحبيه . . فتصدق بها عنهم ، وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة ، ولم يوثقوا ولم يذكروا بشيء ، ولم ينزل عذرهم ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وهم الذين قال اللّه : ( وآخرون مرجون لأمر اللّه إما يعذبهم وإما يتوب عليهم واللّه عليم حكيم ) . . فجعل الناس يقولون . هلكوا ! إذ لم ينزل لهم عذر . وجعل آخرون يقولون : عسى اللّه أن يغفر لهم ! فصاروا مرجئين لأمر اللّه ، حتى نزلت : ( لقد تاب اللّه على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة ) . . الذين خرجوا معه إلى الشام . . ( من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم ) . . ثم قال : ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا )- يعني المرجئين لأمر اللّه - نزلت عليهم التوبة فعموا بها ، فقال : ( حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ) . . إلى قوله : ( إن اللّه هو التواب الرحيم ) . . [ وكذلك روى - بإسناده - عن عكرمة وعن مجاهد ، وعن الضحاك وعن قتادة . وعن ابن إسحاق ] . فهذه الرواية أرجح واللّه أعلم .

ولما كان أمرهم مرجأ ، فإننا نحب أن نرجئ الحديث فيه حتى يجيء في موضعه . إن شاء اللّه تعالى .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (106)

شرح الكلمات :

{ مرجون لأمر الله } : مؤخرون لحكم الله وقضائه .

{ عليم حكيم } : أي بخلقه نيات وأموالاً وأعمالاً حكيم في قضائه وشرعه .

المعنى :

وقوله تعالى { وآخرون مرجون لأمر الله . إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } هذا هو الصنف الثالث من أصناف المتخلفين فالأول هم المنافقون والثاني هم التائبون والثالث هو المقصود بهذه الآية وهم ثلاثة أنفار كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية فهؤلاء لم يأتوا الرسول صلى الله عليه وسلم ليعتذروا إليه كما فعل التائبون المتصدقون بأموالهم منهم أبو لبابة حيث ربطوا أنفسهم في سواري المسجد فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم حتى يحكم الله فيهم ، وهو معنى قوله تعالى { مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم } فإن عذبهم أو تاب عليهم فذلك لعلمه وحكمته . وبقوا كذلك حتى ضاقت بهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ثم تاب الله تعالى عليهم كما جاء ذلك بعد كذا آية من آخر هذه السورة { إن الله هو التواب الرحيم } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (106)

قوله تعالى : { وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم الله و إما يتوب عليهم والله عليم حكيم } نزلت هذه الآية الكريمة في الثلاثة الذين خلفوا عن التوبة وهم مرارة بن الربيع وكعب بن مالك وهلال بن أمية ؛ فقد قعد هؤلاء عن غزوة تبوك في جملة من قعد كسلا وميلا إلى الدعة والراحة والظل وجني الثمار ، وليس شكا منهم أو نفاقا ؛ فكانت طائفة منهم ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه ، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة ، فنزلت توبة أولئك ، وأرجئت توبة هؤلاء حتى نزلت الآية الآتية وهي قوله : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } الآية{[1895]} .

قوله : { إما يعذبهم وإما يتوب عليهم } هؤلاء الثلاثة مرجون لأمر الله ؛ أي مرجئون لأمره ؛ من أرجأته أي أخرته ؛ فهم بذلك نحن عفو الله ورحمته ، فإن شاء وفقهم للتوبة فتابوا ليغفر الله لهم ، وإن شاء لم يجعل لهم من لدنه توفيقا فلم يتوبوا . وفي كل الأحوال من تزاحم الذنوب والتوبة أو تزاحم الخطايا والاستغفار ؛ فإن رحمة الله تغلب غضبه وعذابه . والله سبحانه عليم بما يصير إليه العباد من حسن التوبة ، أو المقام على الذنب . وهو جل وعلا حكيم في تدبيره للعالمين من غير خلل في ذلك ولا زلل . فقال سبحانه : { والله عليم حكيم } {[1896]} .


[1895]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 387 وأسباب النزول للنيسابوري ص 175.
[1896]:تفسير الطبري جـ 11 ص 17 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 252.