في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ} (268)

261

ولما كان الكف عن الإنفاق ، أو التقدم بالرديء الخبيث ، إنما ينشأ عن دوافع السوء ، وعن تزعزع اليقين فيما عند الله ، وعن الخوف من الإملاق الذي لا يساور نفسا تتصل بالله ، وتعتمد عليه ، وتدرك أن مرد ما عندها إليه . . كشف الله للذين آمنوا عن هذه الدوافع لتبدو لهم عارية ، وليعرفوا من أين تنبت النفوس ؛ وما الذي يثيرها في القلوب . . إنه الشيطان . .

( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ، والله واسع عليم . يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، وما يذكر إلا أولوا الألباب ) . .

الشيطان يخوفكم الفقر ، فيثير في نفوسكم الحرص والشح والتكالب . والشيطان يأمركم بالفحشاء - والفحشاء كل معصية تفحش أي تتجاوز الحد ، وإن كانت قد غلبت على نوع معين من المعاصي ولكنها شاملة . وخوف الفقر كان يدعو القوم في جاهليتهم لوأد البنات وهو فاحشة ؛ والحرص على جمع الثروة كان يؤدي ببعضهم إلى أكل الربا وهو فاحشة . . على أن خوف الفقر بسبب الإنفاق في سبيل الله في ذاته فاحشة . .

وحين يعدكم الشيطان الفقر ويأمركم بالفحشاء يعدكم الله المغفرة والعطاء :

( والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ) . .

ويقدم المغفرة ، ويؤخر الفضل . . فالفضل زيادة فوق المغفرة . وهو يشمل كذلك عطاء الرزق في هذه الأرض ، جزاء البذل في سبيل الله والإنفاق .

( والله واسع عليم ) . .

/خ274

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ} (268)

شرح الكلمات :

{ يعدكم الفقر } : يخوفكم من الفقر ليمنعكم من الإِنفاق في سبيل الله .

{ ويأمركم بالفحشاء } : يدعوكم إلى ارتكاب الفواحش ومنها البخل والشح .

المعنى :

أما الآية ( 268 ) فإنه تعالى يحذر عباده من الشيطان ووساوسه فأخبرهم أن الشيطان يعدهم الفقر أي يخوفهم منه حتى لا يزكوا ولا يتصدقوا ويأمرهم بالفحشاء فينفقون أموالهم في الشر والفساد ويبخلون بها في الخير ، والصالح العام أما هو تعالى فإنه بأمره إياهم بالإنفاق يعدهم مغفرة ذنوبهم لأن الصدقة تكفر الخطيئة ، وفضلا منه وهو الرزق الواسع الحسن . وهو الواسع الفضل العليم بالخلق . فاستجيبوا أيها المؤمنين لنداء الله تعالى ، وأعرضوا عن نداء الشيطان فإنه عدوكم لا يعدكم إلا بالشر ، ولا يأمركم إلا بالسوء والباطل ، كان هذا ما تضمنته الآية الثانية .

من الهداية :

- التحذير من الشيطان ووجوب مجاهدته بالإِعراض عن وساوسه ومخالفة أوامره .

- إجابة نداء الله والعمل بإرشاده .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ} (268)

ولما رغب سبحانه وتعالى في الإنفاق وختم آياته بما يقتضي الوعد من أصدق القائلين بالغنى والإثابة في الدارين أتبعه بما للعدو الكاذب من ضد ذلك فقال محذراً من البخل - في جواب من{[12983]} كأنه قال : هذا ما لا يشك فيه فما للنفوس لا توجد غالباً إلا شحيحة بالإنفاق- : { الشيطان } أي الذي اسمه أسوأ الأسماء ، فإنه يقتضي الهلاك والبعد ، وأحد{[12984]} الوصفين كاف في مجانبته فكيف إذا اجتمعا ! { يعدكم الفقر } المانع من الإنفاق . قال الحرالي : الذي لخوفه تقاطع أهل الدنيا وتدابروا وحرصوا وادخروا . وكل ذلك لا يزيل الفقر ، كل حريص فقير ولو ملك الدنيا ، وكل مقتنع غني ، ومن حق من كان عبداً لغني أن يتحقق أنه غني يغني سيده ، ففي خوف الفقر إباق العبد عن ربه ؛ والفقر فقد ما إليه الحاجة في وقت من قيام المرء في ظاهره وباطنه - انتهى . { ويأمركم بالفحشاء } المبطلة له من المن والأذى وغيرهما من مستلذات الأنفس وربما كان فيها{[12985]} إتلاف الأموال وإذهاب الأرواح . وقال الحرالي : وكل ما اجتمعت عليه استقباحات {[12986]}العقل والشرع{[12987]} والطبع فهو فحشاء ، وأعظم مراد بها هنا{[12988]} البخل الذي هو{[12989]} أدوأ{[12990]} داء ، لمناسبة ذكر الفقر ، وعليه ينبني شر الدنيا والآخرة ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله انتهى{[12991]} وفيه تصرف .

ولما ذكر ما للعدو من الشر{[12992]} أتبعه {[12993]}سبحانه وتعالى بما له{[12994]} من الخير فقال مصرحاً بما تقدم{[12995]} التلويح به : { والله } أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى الرحيم الودود { يعدكم مغفرة منه } لما وقع منكم من تقصير ، وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره لما{[12996]} له من الإحاطة بصفات الكمال ولما جبل عليه الإنسان من النقص { وفضلاً } بالزيادة في الدارين ، وكل نعمة منه فضل ؛ ثم أكد ذلك بقوله : { والله } {[12997]}أي المحيط بكل كمال{[12998]} { واسع } لتضمنه معنى حليم{[12999]} غني ، وأتبعه بقوله : { عليم * } إشارة إلى أنه لا يضيع شيئاً وإن دق . قال الحرالي : وفي إشعاره توهين{[13000]} لكيد الشيطان ووعد كريم للمفتون بخوف الفقر وعمل الفحشاء لما علمه{[13001]} من ضعف الأنفس وسرعة قبولها من الوسواس - انتهى . فختم آخر آيات الأمثال بما ختم به أولها ترغيباً وترهيباً .


[12983]:زيد في م: كان.
[12984]:في م فقط: أخذ.
[12985]:في م: فيهما.
[12986]:في م ومد وظ: الشرع والعقل.
[12987]:في م ومد وظ: الشرع والعقل.
[12988]:في ظ: هذا.
[12989]:زيد من م وظ ومد.
[12990]:في ظ: أدواء.
[12991]:زيد من م وظ ومد.
[12992]:من ظ، وفي الأصل وم ومد: السر.
[12993]:في م وظ ومد: ملله سبحانه.
[12994]:في م و ظ ومد: ملله سبحانه.
[12995]:من م ومد، وفي الأصل: يقدم، وفي ظ: تقدم ـ كذا.
[12996]:من ظ ومد، وفي الأصل وم: بما.
[12997]:ليست في ظ.
[12998]:ليست في ظ.
[12999]:في الأصل: نوعين، والتصحيح من م ومد وظ....
[13000]:في الأصل: نوعين، والتصحيح من م ومد وظ....
[13001]:من م وظ ومد، وفي الأصل: عمله.