فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ} (268)

الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم 268 يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب 269

( الشيطان يعدكم الفقر ) قد تقدم معنى الشيطان واشتقاقه ، ويعدكم معناه يخوفكم بالفقر لئلا تنفقوا ، فهذه الآية متصلة بما قبلها وقرئ الفقر بضم الفاء وهي غلة ، قال الجوهري : والفقر لغة في الفقر مثل الضعف والضعف ( و يأمركم بالفحشاء ) أي الخصلة الفحشاء وهي المعاصي والانفاق فيها ، والبخل عن الانفاق في الطاعات ، قال في الكشاف : والفاحش عند العرب البخيل انتهى .

ولكن العرب وأن أطلقته على البخيل فذلك لا ينافي إطلاقهم على غيره من المعاصي ، وقد وقع كثيرا في كلامهم ، والمعنى يحسن لكم البخل ومنع الزكاة والصدقة ، قال الكلبي : كل فحشاء في القرآن فالمراد به الزنا إلا هذا الموضع .

( والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ) بسبب الانفاق كقوله ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) وقوله ( وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه ) والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير ، وإذا قيد فقد يقيد تارة بالخير وتارة بالشر ، ومنه قوله تعالى ( النار وعدها الله الذين كفروا ) ومنه أيضا ما في هذه الآية من تقييد وعد الشيطان بالفقر وتقييد وعد الله سبحانه بالمغفرة والفضل .

والمغفرة الستر على عباده في الدنيا والآخرة لذنوبهم وكفارتها ، والفضل أن يخلف عليهم أفضل مما أنفقوا فيوسع لهم في أرزاقهم وينعم عليهم في الآخرة بما هو أفضل وأكثر وأجل وأجمل .

( والله واسع ) أي غني قادر على إغنائكم وإخلاف ما تنفقونه ( عليم ) بإنفاقكم لا تخفى عليه خافية .

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان لأن يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر أعط ممسكا تلفا " أخرجه الشيخان وفي الباب أحاديث .