في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ} (24)

وثارت نخوة موسى - عليه السلام - وفطرته السليمة . فتقدم لإقرار الأمر في نصابه . تقدم ليسقي للمرأتين أولا ، كما ينبغي أن يفعل الرجال ذوو الشهامة . وهو غريب في أرض لا يعرفها ، ولا سند له فيها ولا ظهير . وهو مكدود قادم من سفر طويل بلا زاد ولا استعداد . وهو مطارد ، من خلفه اعداء لا يرحمون . ولكن هذا كله لا يقعد به عن تلبية دواعي المروءة و النجدة والمعروف ، وإقرار الحق الطبيعي الذي تعرفه النفوس :

( فسقى لهما ) . .

مما يشهد بنبل هذه النفس التي صنعت على عين الله . كما يشي بقوته التي ترهب حتى وهو في إعياء السفر الطويل . ولعلها قوة نفسه التي أوقعت في قلوب الرعاة رهبته أكثر من قوة جسمه . فإنما يتأثر الناس أكثر بقوة الأرواح والقلوب .

( ثم تولى إلى الظل ) . .

مما يشير إلى أن الأوان كان أوان قيظ وحر ، وأن السفرة كانت في ذلك القيظ والحر .

( فقال : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) . .

إنه يأوي إلى الظل المادي البليل بجسمه ، ويأوى إلى الظل العريض الممدود . ظل الله الكريم المنان . بروحه وقلبه : ( رب . إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) . رب إني في الهاجرة . رب إني فقير . رب إني وحيد . رب إني ضعيف . رب إني إلى فضلك ومنك وكرمك فقير محووج .

ونسمع من خلال التعبير رفرفة هذا القلب والتجاءه إلى الحمى الآمن ، والركن الركين ، والظل والظليل . نسمع المناجاة القريبة والهمس الموحي ، والانعطاف الرفيق ، والاتصال العميق : ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ) . .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ} (24)

شرح الكلمات :

{ ثم تولى إلى الظل } : أي بعد أن سقى لهما رجع إلى ظل الشجرة التي كان جالساً تحتها .

{ لما أنزلت إلي من خير فقير } : أي من طعام محتاج إليه لشدة جوعه عليه السلام .

المعنى :

فلما علم عذرهما سقى لهما ماشيتهما { ثم تولى إلى الظل } الذي كان جالساً تحته وهو ظل شجرة وهو شجر صحراوي معروف يقال له السمر ، ولما تولى غلى الظل سأل ربه الطعام لشدة جوعه إذ خرج من مصر بلا زاد ولا دليل ولولا حسن ظنه في ربه لما خرج هذا الخروج فقال : { رب إني لما أنزلت إلي من خير } أي طعام { فقير } أي محتاج إليه أشد الاحتياج .

الهداية :

- بيان مروءة موسى في سقيه للمرأتين .

- فضل الدعاء وسؤال الله تعالى ما العبد في حاجة إليه .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ} (24)

{ فسقى } أي موسى عليه الصلاة والسلام { لهما } لما علم ضرورتهما ، انتهازاً لفرصة الأجر وكرم الخلق في مساعدة الضعيف ، مع ما به من النصب والجوع { ثم تولى } أي انصرف موسى عليه الصلاة والسلام جاعلاً ظهره يلي ما كان يليه وجهه { إلى الظل } أي ليقيل تحته ويستريح ، مقبلاً على الخالق بعد ما قضى من نصيحة الخلائق ، وعرفه لوقوع العلم بأن بقعة لا تكاد تخلو من شيء له ظل ولا سيما أماكن المياه { فقال } لأنه ليس في الشكوى إلى المولى العلي الغني المطلق نقص { رب } .

ولما كان حاله في عظيم صبره حاله من لا يطلب ، أكد سؤاله إعلاماً بشديد تشوقه لما سأل فيه وزيادة في التضرع والرقة ، فقال : { إني } ولأكد الافتقار بالإلصاق باللام دون " إلى " فقال : { لما } أي لأي شيء . ولما كان الرزق الآتي إلى الإنسان مسبباً عن القضاء الآتي عن العلي الكبير ، عبر بالإنزال وعبر بالماضي تعميماً لحالة الافتقار ، وتحققاً لإنجاز الوعد بالرزق فقال : { أنزلت } ولعله حذف العائد اختصاراً لما به من الإعياء { إليّ من خير } أي ولو قل { فقير* } أي مضرور ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان قد بلغ من الضر أن اخضر بطنه من أكل البقل وضعف حتى لصق بطنه بظهره . فانظر إلى هذين النبيين عليهما الصلاة والسلام في حالهما في ذات يدهما ، وهما خلاصة ذلك الزمان ، ليكون لك في ذلك أسوة ، وتجعله إماماً وقدوة ، وتقول : يا بأبي وأمي ! ما لقي الأنبياء والصالحون من الضيق والأهوال في سجن الدنيا ، صوناً لهم منها وإكراماً من ربهم عنها ، رفعة لدرجاتهم عنده ، واستهانة لها وإن ظنه الجاهل المغرور على غير ذلك ، وفي القصة ترغيب في الخير ، وحث على المعاونة على البر ، وبعث على بذل المعروف مع الجهد .