في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (35)

33

ثم يبلغ الجد الصارم مداه ، في مواجهة ما عساه يعتمل في نفس رسول الله [ ص ] من الرغبة البشرية ، المشتاقة إلى هداية قومه ، المتطلعة إلى الاستجابة لما يطلبونه من آية لعلهم يهتدون . وهي الرغبة التي كانت تجيش في صدور بعض المسلمين في ذلك الحين ، والتي تشير إليها آيات أخرى في السورة آتية في السياق . وهي رغبة بشرية طبيعية . ولكن في صدد الحسم في طبيعة هذه الدعوة ومنهجها ودور الرسل فيها ، ودور الناس أجمعين ، تجيء تلك المواجهة الشديدة في القرآن الكريم :

( وإن كان كبر عليك إعراضهم ، فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض ، أو سلما في السماء ، فتأتيهم بآية ! ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين . إنما يستجيب الذين يسمعون . والموتى يبعثهم الله ، ثم إليه يرجعون ) . .

وإنه للهول الهائل ينسكب من خلال الكلمات الجليلة . . وما يملك الإنسان إن يدرك حقيقة هذا الأمر ، إلا حين يستحضر في كيانه كله : أن هذه الكلمات موجهة من رب العالمين إلى نبيه الكريم . . النبي الصابر من أولي العزم من الرسل . . الذي لقي ما لقي من قومه صابرا محتسبا ، لم يدع عليهم دعوة نوح - عليه السلام - وقد لقي منهم سنوات طويلة ، ما يذهب بحلم الحليم !

. . . تلك سنتنا - يا محمد - فإن كان قد كبر عليك إعراضهم ، وشق عليك تكذيبهم ، وكنت ترغب في إتيانهم بآية . . إذن . . فإن استطعت فابتغ لك نفقا في الأرض أو سلما في السماء ، فأتهم بآية !

. . . إن هداهم لا يتوقف على أن تأتيهم بآية . فليس الذي ينقص هو الآية التي تدلهم على الحق فيما تقول . . ولو شاء الله لجمعهم على الهدى : إما بتكوين فطرتهم من الأصل على أن لا تعرف سوى الهدى - كالملائكة - وإما بتوجيه قلوبهم وجعلها قادرة على استقبال هذا الهدى والاستجابة إليه . وإما بإظهار خارقة تلوي أعناقهم جميعا . وإما بغير هذه من الوسائل وكلها يقدر الله عليها .

ولكنه سبحانه - لحكمته العليا الشاملة في الوجود كله - خلق هذا الخلق المسمى بالإنسان ، لوظيفة معينة ، تقتضي - في تدبيره العلوي الشامل - أن تكون له استعدادات معينة غير استعدادات الملائكة . من بينها التنوع في الاستعدادات ، والتنوع في استقبال دلائل الهدى وموحيات الإيمان ، والتنوع في الاستجابة لهذه الدلائل والموحيات . في حدود من القدرة على الاتجاه ، بالقدر الذي يكون عدلا معه تنوع الجزاء على الهدى والضلال . .

لذلك لم يجمعهم الله على الهدى بأمر تكويني من عنده ، ولكنه أمرهم بالهدى وترك لهم اختيار الطاعة أو المعصية ، وتلقي الجزاء العادل في نهاية المطاف . . فأعلم ذلك ولا تكن مما يجهلونه

( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى . فلا تكونن من الجاهلين ) .

يا لهول الكلمة ! ويا لحسم التوجيه ! ولكنه المقام الذي يقتضي هول الكلمة وحسم التوجيه . .

/خ39

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (35)

شرح الكلمات :

{ تبتغي نفقاً } : تطلب سرباً تحت الأرض .

{ أو سلماً في السماء } : أي مصعداً تصدع به إلى السماء .

{ بآية } : أي خارقة من خوارق العادات وهى المعجزات .

{ فلا تكونن من الجاهلين } : أي فلا تقف موقف الجاهلين بتدبير الله في خلقه .

المعنى :

وثالثاً { إن كان كبر عليك إعراضهم } عن دعوتك وعدم إيمانهم بها حتى تأتيهم بآية تلجئهم إلى الإِيمان بك وبرسالتك كما يطلبون منك ويُلِحُون عليك وهم كاذبون فإن استطعت أن تطلب لهم آية من تحت الأرض أو من السماء فافعل ، وهذا ما لا تطيقه ولا تستطيعه لأنه فوق طاقتك فلا تكلف به وإذاً فما عليك إلا بالصبر هذا معنى قوله تعالى : { وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض } أي سرباً ، { أو سلماً في السماء } أي مصعداً { فتأتيهم بآية } أي فافعل وما أنت بقادر فاصبر إذاً ورابعاً إن الله قادر على أن يجمعهم كلهم على الإِيمان بك وبرسالتك والدخول في دينك ، ولكنه لم يشأ ذلك لحكم عالية فلا تطلب أنت ما لا يريده ربك ، فإنك إن فعلت كنت من الجاهلين ، ولا نريد لك ذلك .

الهداية

من الهداية :

- إرشاد الرب تعالى رسوله إلى خير المقامات وأكمل الحالات بإبعاده عن ساحة الجاهلين .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ} (35)

ولما سلاه بما هو في غاية الكفاية في التسلية ، أخبره بأنه لا حيلة له غير الصبر ، فقال عاطفاً على ما تقديره : فتسلّ{[29407]} واصبر كما صبروا ، وليصغر عندك ما تلاقي منهم في جنب الله : { وإن كان كبر } أي عظم جداً { عليك إعراضهم } أي عما يأتيهم{[29408]} به من الآيات الذي قدمنا الإخبار عنه بقولنا{ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين }[ الأنعام : 4 ] وأردت أن تنتقل - في إخبارنا لك بأنه لا ينفعهم الآيات المقترحات - من علم اليقين إلى عين اليقين { فإن استطعت أن تبتغي } أي تطلب بجهدك وغاية طاقتك { نفقاً } أي منفذاً { في الأرض } تنفذ{[29409]} فيه إلى ما عساك تقدر على{[29410]} الانتهاء إليه { أو سلماً في السماء } أي جهة{[29411]} العلو لترتقي فيه إلى ما تقدر عليه { فتأتيهم بآية } أي مما اقترحوا عليك فافعل لتشاهد أنهم لا يزدادون عند إتيانك{[29412]} بها إلا إعراضاً كما{[29413]} أخبرناك ، لأن الله قد شاء ضلال بعضهم ، والمراد بهذا بيان{[29414]} شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على هدايتهم بأنه لو قدر على{[29415]} أن يتكلف النزول إلى تحت الأرض أو فوق السماء فيأتيهم بما يؤمنون به لفعل .

ولما كان هذا السياق ربما أوهم شيئاً{[29416]} في القدرة ، نفاه إرشاداً إلى تقدير ما قدرته فقال : { ولو شاء الله } أي الذي له العظمة الباهرة والقدرة الكاملة القاهرة { لجمعهم على الهدى } أي لأن قدرته شاملة ، وإيمانهم في حد ذاته ممكن ، ولكنه قد شاء افتراقهم بإضلال بعضهم ؛ ولما كان{[29417]} صلى الله عليه وسلم - بعد إعلام الله له بما أعلم من حكمه بأن الآيات لا تنفع من حتم{[29418]} بكفره - حريصاً على إجابتهم إلى ما يقترحونه رجاء جمعهم{[29419]} على الهدى لما طبع عليه من{[29420]} مزيد الشفقة{[29421]} على الغريب{[29422]} فضلاً عن القريب ، مع ما أوصاه الله به ليلة الإسراء من غير واسطة - كما أفاده الحرالي - من{[29423]} إدامة الشفقة على عباده والرحمة لهم والإحسان إليهم واللين لهم وإدخال السرور عليهم ، فتظافر على ذلك الطبع والإيصاء حتى كان{[29424]} لا يكف عنه إلا{[29425]} لأمر جازم{[29426]} أو{[29427]} نهي مؤكد صارم ، سبب عن ذلك قوله : { فلا تكونن } فأكد الكلام سبحانه ليعلم صلى الله عليه وسلم أنه قد حتم بافتراقهم ، فيسكن إلى ذلك ويخالف ما جبل عليه{[29428]} من شدة الشفقة عليهم { من الجاهلين * } أي إنك أعلم الناس مطلقاً ولك الفراسة التامة والبصر النافذ والفكرة{[29429]} الصافية بمن لم تعاشره ، فكيف بمن بلوتهم {[29430]} ناشئاً وكهلاً ويافعاً{[29431]} ! فلا تعمل بحجة ما أوصاك{[29432]} الله به من الصبر والصفح{[29433]} ، وجبلك{[29434]} عليه من الأناة والحلم{[29435]} في ابتغاء إيمانهم بخلاف{[29436]} ما يعلم من خسرانهم ، فلا تطمع نفسك فيما لا مطمع فيه ، فإن ما شاءه لا يكون غيره{[29437]} ، فهذه الآية وأمثالها - مما في ظاهره غلظة - من الدلالة على عظيم رتبته صلى الله عليه وسلم ومن لطيف أمداح القرآن له - كما يبين{[29438]} إن شاء الله تعالى في سورة التوبة عند قوله تعالى عفا الله عنك{[29439]} }[ التوبة : 43 ] .


[29407]:في ظ: فليسل.
[29408]:في الأصل: يأتهم، وفي ظ: تأتيهم.
[29409]:من ظ، وفي الأصل: ينفذ.
[29410]:في ظ: إلى.
[29411]:من ظ، وفي الأصل: بهذا –كذا.
[29412]:من ظ، وفي الأصل: ثباتك.
[29413]:في ظ: عما.
[29414]:سقط من ظ.
[29415]:سقط من ظ.
[29416]:من ظ، وفي الأصل: سببا.
[29417]:سقط من ظ.
[29418]:في ظ: ختم.
[29419]:في ظ: جميعهم.
[29420]:زيد من ظ.
[29421]:في ظ: عن القرب.
[29422]:في ظ: عن القرب.
[29423]:من ظ، وفي الأصل: كانا
[29424]:من ظ، وفي الأصل: كانا.
[29425]:من ظ، وفي الأصل: مرجاز- كذا.
[29426]:من ظ، وفي الأصل: مرجاز- كذا.
[29427]:في ظ "و".
[29428]:في الأصل: على، وسقط من ظ.
[29429]:في ظ: الفكر.
[29430]:في ظ: باشيا وكيلا نافعا- كذا.
[29431]:في ظ: باشيا وكيلا ونافعا- كذا.
[29432]:من ظ، وفي الأصل: أوصلك.
[29433]:في ظ: الصلح.
[29434]:من ظ، وفي الأصل: حملك.
[29435]:من ظ، وفي الأصل: الحكم.
[29436]:من ظ، وفي الأصل: بخلا- كذا.
[29437]:زيد من ظ.
[29438]:من ظ، وفي الأصل: تبين.
[29439]:آية 43.