في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (77)

وينهي هذا كله بدعوة جامعة ، يكلف رسول الله [ ص ] أن يوجهها إلى أهل الكتاب : ( قل : يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل ، وأضلوا كثيرا . وضلوا عن سواء السبيل ) .

فمن الغلو في تعظيم عيسى - عليه السلام - جاءت كل الانحرافات . ومن أهواء الحكام الرومان الذين دخلوا النصرانية بوثنيتهم ، ومن أهواء المجامع المتناحرة كذلك دخلت كل تلك المقولات على دين الله الذي أرسل به المسيح ، فبلغة بأمانة الرسول ، وهو يقول لهم : ( يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم . إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ، ومأواه النار ، وما للظالمين من أنصار ) . .

وهذا النداء الجديد هو دعوة الإنقاذ الأخيرة لأهل الكتاب ؛ ليخرجوا بها من خضم الانحرافات والاختلافات والأهواء والشهوات الذي خاض فيه أولئك الذين ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل . .

نقطة اللقاء في اعتبار الإسلام هي العقيدة

ونقف من هذا المقطع الذي انتهى بهذا النداء أمام ثلاث حقائق كبيرة ، يحسن الإلمام بها في إجمال : الحقيقة الأولى : هي حقيقة هذا الجهد الكبير ، الذي يبذله المنهج الإسلامي ، لتصحيح التصور الاعتقادي ، وإقامته على قاعدة التوحيد المطلقة ؛ وتنقيته من شوائب الوثنية والشرك التي أفسدت عقائد أهل الكتاب ، وتعريف الناس بحقيقة الألوهية ؛ وإفراد الله - سبحانه - بخصائصها ، وتجريد البشر وسائر الخلائق من هذه الخصائص . .

وهذا الاهتمام البالغ بتصحيح التصور الاعتقادي ، وإقامته على قاعدة التوحيد الكامل الحاسم ، يدل على أهمية هذا التصحيح . وأهمية التصور الاعتقادي في بناء الحياة الإنسانية وفي صلاحها ، كما يدل على اعتبار الإسلام للعقيدة بوصفها القاعدة والمحور لكل نشاط إنساني ، ولكل ارتباط إنساني كذلك .

والحقيقة الثانية : هي تصريح القرآن الكريم بكفر الذين قالوا : إن الله هو المسيح ابن مريم ؛ أو قالوا : إن الله ثالث ثلاثة : فلم يعد لمسلم - بعد قول الله سبحانه - قول . ولم يعد يحق لمسلم أن يعتبر أن هؤلاء على دين الله . والله سبحانه يقول : إنهم كفروا بسبب هذه المقولات .

وإذا كان الإسلام - كما قلنا - لايكره أحدا على ترك ما هو عليه مما يعتقده لاعتناق الإسلام ، فهو في الوقت ذاته لا يسمي ما عليه غير المسلمين دينا يرضاه الله . بل يصرح هنا بأنه كفر ولن يكون الكفر دينا يرضاه الله .

والحقيقية الثالثة : المترتبة على هاتين الحقيقتين ، أنه لا يمكن قيام ولاء وتناصر بين أحد من أهل الكتاب هؤلاء وبين المسلم الذي يدين بوحدانية الله كما جاء بها الإسلام ، ويعتقد بأن الإسلام في صورته التي جاء بها محمد [ ص ] هو وحده " الدين " عند الله . .

ومن ثم يصبح الكلام عن التناصر بين أهل " الأديان " أمام الإلحاد كلاما لا مفهوم له في اعتبار الإسلام ! فمتى اختلفت المعتقدات على هذا النحو الفاصل ، لم يعد هناك مجال للالتقاء على ما سواها . فكل شيء في الحياة يقوم أولا على أساس العقيدة . . في اعتبار الإسلام . .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{قُلۡ يَـٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} (77)

شرح الكلمات :

{ لا تغلوا في دينكم } : الغلو : الإِفراط في الشيء ومجاوزة الحد فيه فمثلاً أمرنا بغسل اليدين في الوضوء إلى المرفقين فغسلهما إلى الكتفين غلو أمرنا بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم فدعاؤه غلو في الدين .

{ أهواء قوم قد ضلوا } : جمع هوى ، وصاحب الهوى هو الذي يعتقد ويقول ويعمل بما يهواه لا بما قامت به الحجة وأقره الدليل من دين الله تعالى .

{ وأضلوا كثيراً } : أي أضلوا عدداً كثيراً من الناس بأهوائهم وأباطيلهم .

{ عن سواء السبيل } : سواء السبيل : وسط الطريق العدل لا ميل فيه إلى اليمين ولا إلى اليسار .

المعنى :

ما زال السياق في الحديث عن أهل الكتاب يهوداً ونصارى فقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { قل } يا رسولنا : { يا أهل الكتاب } والمراد بهم النصارى { لا تغلوا في دينكم غير الحق } ، أي لا تتشددوا في غير ما هو حق شرعه الله تعالى لكم ، فتبتدعون البدع وتتغالوا في التمسك بها والدفاع عنها ، التشدد محمود في الحق الذي أمر الله به اعتقاداً وقولاً وعملاً لا في المحدثات الباطلة ولا تتبعوا أهواء قوم ضلوا من قبل كثيراً من الناس بأهوائهم المتولدة عن شهواتهم ، وضلوا أي وهم اليوم ضالون بعيدون عن جادة الحق والعدل في عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم . هذا ما تضمنته الآية الأولى ( 77 ) .

الهداية

من الهداية :

- حرمة الغلو والابتداع في الدين ، واتباع أهل الأهواء .