في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (36)

36

( إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهراً في كتاب اللّه يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم . ذلك الدين القيم ) . .

إن هذا النص القرآني يرد معيار الزمن ، وتحديد دورانه إلى طبيعة الكون التي فطره اللّه عليها . وإلى أصل الخلقة . خلقة السماوات والأرض . ويشير إلى أن هناك دورة زمنية ثابتة ، مقسمة إلى اثني عشر شهراً . يستدل على ثباتها بثبات عدة الأشهر ؛ فلا تزيد في دورة وتنقص في دورة . وأن ذلك في كتاب اللّه - أي في ناموسه الذي أقام عليه نظام هذا الكون . فهي ثابتة على نظامها ، لا تتخلف ولا تتعرض للنقص والزيادة . لأنها تتم

وفق قانون ثابت ، هو ذلك الناموس الكوني الذي أراده اللّه يوم خلق السماوات والأرض :

هذه الإشارة إلى ثبات الناموس يقدم بها السياق لتحريم الأشهر الحرم وتحديدها ، ليقول : إن هذا التحديد والتحريم جزء من نواميس اللّه ثابت كثباتها ، لا يجوز تحريفه بالهوى ، ولا يجوز تحريكه تقديماً وتأخيراً ، لأنه يشبه دورة الزمن التي تتم بتقدير ثابت ، وفق ناموس لا يتخلف :

( ذلك الدين القيم ) . .

فهذا الدين مطابق للناموس الأصيل ، الذي تقوم به السماوات والأرض ، منذ أن خلق اللّه السماوات والأرض .

وهكذا يتضمن ذلك النص القصير سلسلة طويلة من المدلولات العجيبة . . يتبع بعضها بعضاً ، ويمهد بعضها لبعض ، ويقوي بعضها بعضاً . ويشتمل على حقائق كونية يحاول العلم الحديث جاهداً أن يصل إليها بطريقته ومحاولاته وتجاربه . ويربط بين نواميس الفطرة في خلق الكون وأصول هذا الدين وفرائضه ، ليقر في الضمائر والأفكار عمق جذوره ، وثبات أسسه ، وقدم أصوله . . كل أولئك في إحدى وعشرين كلمة تبدو في ظاهرها عادية بسيطة قريبة مألوفة .

( ذلك الدين القيم . فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) . .

لا تظلموا أنفسكم في هذه الأشهر الحرم التي يتصل تحريمها بناموس كوني تقوم عليه السماوات والأرض . ذلك الناموس هو أن اللّه هو المشرع للناس كما أنه هو المشرع للكون . . لا تظلموا أنفسكم بإحلال حرمتها التي أرادها اللّه لتكون فترة أمان وواحة سلام ؛ فتخالفوا عن إرادة اللّه . وفي هذه المخالفة ظلم للأنفس بتعريضها لعذاب اللّه في الآخرة ، وتعريضها للخوف والقلق في الأرض ، حين تستحيل كلها جحيماً حربية ، لا هدنة فيها ولا سلام .

( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) . .

ذلك في غير الأشهر الحرم ، ما لم يبدأ المشركون بالقتال فيتعين رد الاعتداء في تلك الأشهر ، لأن الكف عن القتال من جانب واحد يضعف القوة الخيرة ، المنوط بها حفظ الحرمات ، ووقف القوة الشريرة المعتدية ؛ ويشيع الفساد في الأرض ؛ والفوضى في النواميس . فرد الاعتداء في هذه الحالة وسيلة لحفظ الأشهر الحرم ، فلا يعتدى عليها ولا تهان .

( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) . .

قاتلوهم جميعاً بلا استثناء أحد منهم ولا جماعة ، فهم يقاتلونكم جميعاً لا يستثنون منكم أحداً ، ولا يبقون منكم على جماعة . والمعركة في حقيقتها إنما هي معركة بين الشرك والتوحيد . وبين الكفر والإيمان وبين الهدى والضلال . معركة بين معسكرين متميزين لا يمكن أن يقوم بينهما سلام دائم ، ولا أن يتم بينهما اتفاق كامل . لأن الخلاف بينهما ليس عرضياً ولا جزئياً . ليس خلافاً على مصالح يمكن التوفيق بينها ، ولا على حدود يمكن أن يعاد تخطيطها . وإن الأمة المسلمة لتخدع عن حقيقة المعركة بينها وبين المشركين - وثنيين وأهل كتاب - إذا هي فهمت أو أفهمت أنها معركة اقتصادية أو معركة قومية ، أو معركة وطنية ، أو معركة استراتيجية . . كلا . إنها قبل كل شيء معركة العقيدة . والمنهج الذي ينبثق من هذه العقيدة . . أي الدين . . وهذه لا تجدي فيها أنصاف الحلول . ولا تعالجها الاتفاقات والمناورات . ولا علاج لها إلا بالجهاد والكفاح الجهاد الشامل والكفاح الكامل . سنة اللّه التي لا تتخلف ، وناموسه الذي تقوم عليه السماوات والأرض ، وتقوم عليه العقائد والأديان ، وتقوم عليه الضمائر والقلوب . في كتاب اللّه يوم خلق اللّه السماوات والأرض .

( واعلموا أن اللّه مع المتقين ) . .

فالنصر للمتقين الذين يتقون أن ينتهكوا حرمات اللّه . وأن يحلوا ما حرم اللّه ، وأن يحرفوا نواميس اللّه . فلا يقعد المسلمون عن جهاد المشركين كافة ، ولا يتخوفوا من الجهاد الشامل . فهو جهاد في سبيل اللّه يقفون فيه عند حدوده وآدابه ؛ ويتوجهون به إلى اللّه يراقبونه في السر والعلانية . فلهم النصر ، لأن اللّه معهم ، ومن كان اللّه معه فهو المنصور بلا جدال .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ} (36)

شرح الكلمات :

{ عدة } : أي عدد .

{ الشهور } : جمع شهر والشهر تسعة وعشرون يوماً ، أو ثلاثون يوماً .

{ في كتاب الله } : أي كتاب المقادير : اللوح المحفوظ .

{ أربعة حرم } : هي رجب ، والقعدة ، والحجة ، ومحرم ، الواحد منها حرام والجمع حرم .

{ الدين القيم } : أي الشرع المستقيم الذي لا اعوجاج فيه .

{ فلا تظلموا فيهن أنفسكم } : أي لا ترتكبوا في الأشهر المعاصي فإنها أشد حرمة .

{ كافة } : أي جميعاً وفي كل الشهور حلالها وحرامها .

{ مع المتقين } : أي بالتأييد والنّصر ، والمتقون هم الذين لا يعصون الله تعالى .

المعنى :

عاد السياق للحديث على المشركين بعد ذلك الاعتراض الذي كان للحديث عن أهل الكتاب فقال تعالى { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً } لا تزيد ولا تنقص ، وأنها هكذا في اللوح المحفوظ { يوم خلق السموات والأرض } . وأن منها أربعة أشهر حرم أي محرمات وهي رجب ، والعقدة والحجة ومحرم ، وحرمها الله تعالى أي حرم القتال فيها لتكون هدنة يتمكن العرب معها من السفر للتجارة وللحج والعمرة ولا يخافون أحداً ، ولما جاء الإِسلام وأعز الله أهله ، نسخ حرمة القتال فيها . وقوله تعالى { ذلك الدين القيّم } أي تحريم هذه الأشهر واحترامها بعدم القتال فيها هو الشرع المستقيم وقوله تعالى { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } أي لا ترتكبوا الذنوب والمعاصي في الأشهر الحرم فإن ذلك يوجب غضب الله تعالى وسخطه عليكم فلا تعرضوا أنفسكم له ، وقوله تعالى { وقاتلوا المشركين } هذا خطاب للمؤمنين يأمرهم تعالى بقتال المشركين بعد انتهاء المدة التي جعلت لهم وهي أربعة أشهر وقوله { كافة } أي جميعاً لا يتأخر منكم أحد كما هم يقاتلونكم مجتمعين على قتالكم فاجتمعوا أنتم على قتالهم ، وقوله { واعلموا أن الله مع المتقين } وهم الذين اتقوا الشرك والمعاصي ومعناه أن الله معكم بنصره وتأييده على المشركين العصاة .

الهداية

من الهداية :

- بيان أن شهور السنة الهجرية اثنا عشر شهراً وأيامها ثلثمائة وخمسة وخمسون يوماً .

- بيان أن الأشهر الحرم أربعة وقد بينها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي رجب ، والعقدة والحجة ومحرم .

- حرمة الأشهر الحرم ، ومضاعفة السيآت فيها أي قبح الذنوب فيها .

- صفة المعية لله تعالى معية خاصة بالنصر والتأييد لأهل تقواه .