ويمضي السياق مع قضية الوحي وقضية التوحيد معا يتحدث عن موقف أهل الكتاب من القرآن ومن الرسول [ ص ] ويبين للرسول أن ما أنزل عليه هو الحكم الفصل فيما جاءت به الكتب قبله ، وهو المرجع الأخير ، أثبت الله فيه ما شاء إثباته من أمور دينه الذي جاء به الرسل كافة ؛ ومحا ما شاء محوه مما كان فيها لانقضاء حكمته . فليقف عندما أنزل عليه ، لا يطيع فيه أهواء أهل الكتاب في كبيرة ولا صغيرة . أما الذين يطلبون منه آية ، فالآيات بإذن الله وعلى الرسول البلاغ .
( والذين آتيانهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ، ومن الأحزاب من ينكر بعضه . قل : إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ، إليه أدعو ، وإليه مآب . وكذلك أنزلناه حكما عربيا ، ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق . ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ، وجعلنا لهم أزواجا وذرية ، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله . لكل أجل كتاب . يمحو الله ما يشاء ، ويثبت ، وعنده أم الكتاب . وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ، فإنما عليك البلاغ ، وعلينا الحساب ) . .
إن الفريق الصادق من أهل الكتاب في الاستمساك بدينه ، يجد في هذا القرآن مصداق القواعد الأساسية في عقيدة التوحيد ؛ كما يجد الاعتراف بالديانات التي سبقته وكتبها ، ودرسها مع الإكبار والتقدير ، وتصور الآصرة الواحدة التي تربط المؤمنين بالله جميعا . فمن ثم يفرحون ويؤمنون . والتعبير بالفرح هنا حقيقة نفسية في القلوب الصافية وهو فرح الالتقاء على الحق ، وزيادة اليقين بصحة ما لديهم ومؤازرة الكتاب الجديد له .
( ومن الأحزاب من ينكر بعضه ) .
الأحزاب من أهل الكتاب والمشركين . . ولم يذكر السياق هذا البعض الذي ينكرونه ، لأنه الغرض هو ذكر هذا الإنكار للرد عليه :
( قل : إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به . إليه أدعو ، وإليه مآب ) .
{ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنْ الأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ ( 36 ) }
والذين أعطيناهم الكتاب من اليهود والنصارى مَن آمن منهم بك كعبد الله بن سلام والنجاشي ، يستبشرون بالقرآن المنزل عليك لموافقته ما عندهم ، ومن المتحزبين على الكفر ضدك ، كالسَّيد والعاقب ، أُسْقفَي " نجران " ، وكعب بن الأشرف ، مَن ينكر بعض المنزل عليك ، قل لهم : إنما أمرني الله أن أعبده وحده ، ولا أشرك به شيئًا ، إلى عبادته أدعو الناس ، وإليه مرجعي ومآبي .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ، ببيان موقف أهل الكتاب من القرآن الكريم ، وبأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلن منهجه بصراحة وثبات ، دون التفات إلى أهواء معارضية ، وبالرد على الشبهات التي أثارها أعداؤه حوله وحول دعوته ، وبتهديد هؤلاء الأعداء وبسوء العاقبة إذا ما استمروا في طغيانهم فقال - تعالى - :
{ والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَفْرَحُونَ بِمَآ . . . }
قوله - سبحانه - : { والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ } ثناء منه - سبحانه - على الذين عرفوا الحق من أهل الكتاب فاتبعوه .
والمراد بالكتاب هنا : التوراة والإِنجيل .
والمعنى : والذين أعطيناهم التوراة والإِنجيل ، فآمنوا بما فيهما من بشارات تتعلق بك - أيها الرسول الكريم - ، ثم آمنوا بك عند إرسالك رحمة للعالمين .
هؤلاء الذين تلك صفاتهم ، يفرحون بما أنزل إليك من قرآن ، لأن ما فيه من هدايات وبراهين على صدقك ، يزيدهم إيمانا على إيمانهم ، ويقينا على يقينهم .
وقيل : المراد بالكتاب القرآن الكريم ، وبالموصول أتباع النبى صلى الله عليه وسلم من المسلمين .
فيكون المعنى : والذين آتيناهم الكتاب - وهو القرآن - فآمنوا بك وصدقوك يفرحون بكل ما ينزل عليك منه ، لأنه يزيدهم هداية على هدايتهم .
ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح ، لأن الآية الكريمة سيقت بعد الحديث عن عاقبة الذين اتقوا وهم المؤمنون الصادقون ، وعاقبة الكافرين . ولأن فرح المؤمنين بنزول القرآن أمر مسلم به فلا يحتاج إلى الحديث عنه .
ومن المفسرين الذين اقتصروا في تفسيرهم للآية على الرأى الأول الإِمام ابن كثير فقد قال : قال الله - تعالى - : { والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب } وهم قائمون بمقتضاه { يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ } أى : من القرآن ، لما في كتبهم من الشواهد على صدقه صلى الله عليه وسلم والبشارة به ، كما قال تعالى : { الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فأولئك هُمُ الخاسرون } وقوله : { وَمِنَ الأحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } بيان لمن بقى على كفره من أهل الكتاب وغيرهم ، والأحزاب : جمع حزب ويطلق على مجموعة من الناس اجتمعوا من أجل غاية معينة أى : ومن أحزاب الكفر والضلال من ينكر بعض ما أنزل إليك لأنه يخالف أهواءهم وأطماعهم وشهواتهم . . ولم يذكر القرآن هذا البعض الذي ينكرونه ، إهمالا لشأنهم ، ولأنه لا يتلعق بذكره غرض .
وقوله - سبحانه - : { قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ولا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ } أمر منه - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصدع بما يأمره دون تردد أو وجل .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لكل من خافك فيما تدعو إليه { إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله } وحده { ولا أُشْرِكَ بِهِ } بوجه من الوجوه إليه وحده " أدعو " الناس لكى يخلصوا له العبادة والطاعة { وَإِلَيْهِ مَآبِ } أى وإليه وحده إيابى ومرجعى لا إلى أحد غيره .
فالآية تضمنت المدح لمن عرف الحق ففرح بوجوده . والذم لمن أنكره جحوداً وعناداً ، والأمر للنبى صلى الله عليه وسلم بالسير في طريقه بدون خشية من أحد .
قوله تعالى : { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ } المراد مؤمنو أهل الكتاب ، وهم الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعوه . وهؤلاء يفرحون بنزول القرآن ؛ لأنهم مصدقون مطمئنون بالإيمان وقد لامس برد اليقين قلوبهم الطيبة فاستشعروا حلاوة القرآن . وقيل : المراد أهل الكتاب من اليهود والنصارى يفرحون بنزول القرآن لتصديقه كتبهم .
قوله : { وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } { ومن الأحزاب } ، أي من أهل الملل المختلفة المتحزبين ضد الرسول صلى الله عليه وسلم والذين يصدون عن دين الله وهم أهل أديان ونحل وفلسفات كافرة شتى ؛ فإنهم ينكرون بعض ما في القرآن ؛ لأنه بعضهم ممن يؤمن بالله خالق السموات والأرض ويؤمن ببعض النبيين ، لكنهم مع ذلك يجحدون ما في القرآن من حقائق وأحكام وأخبار .
قوله : { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ } { أشرك } منصوب لعطفه على { أعبد } أي قل لهم يا محمد إنما أمرت بعبادة الله وحده دون سواه من الشركاء والأنداد . وكذلك فإني مقرر لله بكامل الوحدانية ومخلص له الدين طائعا مخبتا { إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ } أي أدعوا الناس إلى عبادته وحده ومرجعي ومصيري .