وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار . ومن هيئة البطر ، والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار . فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن :
( وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها ، وهي خاوية على عروشها ، ويقول : يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ) . .
وهو مشهد شاخص كامل : الثمر كله مدمر كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء . والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة . وصاحبها يقلب كفيه أسفا وحزنا على ماله الضائع وجهده الذاهب . وهو نادم على إشراكه بالله ، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته . ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك ، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضية غير قيمة الإيمان كان شركا ينكره الآن ، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان .
يقلب كفيه : تصويرا للندامة والحسرة .
خاوية : خالية ، خلت من أهلها وزرعها .
على عروشها : ساقطة على عرائشها . عقبا : عاقبة .
وقد أخبر الله تعالى بأنه قد حقّق ما قدّره هذا المؤمن فقال : { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ . . . } ، أحاطت الجوائحُ بثمار جنته التي كان يقول : { مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً } وأهلكتها الصواعقُ والآفات وأبادت أصولَها ، فأصبح يقلّب كفيه ندماً وتحسرا على خسارته وضياع ماله حين رآها ساقطةً على عروشها خاليةً من الثمر ، وضاعت منه الدنيا وحُرم الدنيا والآخرة معا ، وعظُمت حسرته وقال : ليتَني لم أشرك بربّي أحدا .
قرأ عاصم : وكان له ثمر ، وأحيط بثمره بفتح الثاء والميم . وقرأ أبو عمرو : بضم الثاء وإسكان الميم ، والباقون : ثمر بضم الثاء والميم .
قوله تعالى : " وأحيط بثمره " اسم ما لم يسم فاعله مضمر ، وهو المصدر . ويجوز أن يكون المخفوض في موضع رفع . ومعنى " أحيط بثمره " أي أهلك ماله كله . وهذا أول ما حقق الله تعالى به إنذار أخيه . " فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها " أي فأصبح الكافر يضرب إحدى يديه على الأخرى ندما ؛ لأن هذا يصدر من النادم . وقيل : يقلب ملكه فلا يرى فيه عوض ما أنفق ، وهذا لأن الملك قد يعبر عنه باليد ، من قولهم : في يده مال ، أي في ملكه مال . ودل قوله " فأصبح " على أن هذا الإهلاك جرى بالليل ، كقوله " فطاف{[10543]} عليها طائف من ربك وهم نائمون . فأصبحت كالصريم " [ القلم : 19 ] ويقال : أنفقت في هذه الدار كذا وأنفقت عليها . " وهي خاوية على عروشها " أي خالية قد سقط بعضها على بعض ؛ مأخوذ من خَوَت النجوم تَخْوَى خَيًّا أمحلت ، وذلك إذا سقطت ولم تمطر في نوئها . وأَخْوَت مثله . وخَوَت الدار خَواء أقوت ، وكذلك إذا سقطت ، ومنه قوله تعالى : " فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا{[10544]} " [ النمل : 52 ] ويقال ساقطة ، كما يقال فهي خاوية على عروشها أي ساقطة على سقوفها ، فجمع عليه بين هلاك الثمر والأصل ، وهذا من أعظم الجوانح ، مقابلة على بغية . " ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا " أي يا ليتني عرفت نعم الله علي ، وعرفت أنها كانت بقدرة الله ولم أكفر به . وهذا ندم منه حين لا ينفعه الندم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.