في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (161)

154

وفي ختام السورة - وختام الحديث الطويل عن قضية التشريع والحاكمية - تجيء التسبيحة الندية الرخية ، في إيقاع حبيب إلى النفس قريب ؛ وفي تقرير كذلك حاسم فاصل . . ويتكرر الإيقاع الموحي في كل آية : ( قل ) . . ( قل ) . . ( قل ) . . ويلمس في كل آية أعماق القلب البشري لمسات دقيقة عميقة في مكان التوحيد . . توحيد الصراط والملة . توحيد المتجه والحركة . توحيد الإله والرب . توحيد العبودية والعبادة . . مع نظرة شاملة إلى الوجود كله وسنته ومقوماته .

قل : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له ، وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين . قل : أغير الله أبغي ربا ، وهو رب كل شيء ، ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم ، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم . إن ربك سريع العقاب ، وإنه لغفور رحيم . .

هذا التعقيب كله ، الذي يؤلف مع مطلع السورة لحناً رائعاً باهراً متناسقاً ، هو تعقيب ينتهي به الحديث عن قضية الذبائح والنذور والثمار ، وما تزعمه الجاهلية بشأنها من شرائع ، تزعم أنها من شرع الله افتراء على الله . . فأية دلالة يعطيها هذا التعقيب ؟ إنها دلالة لا تحتاج بعد ما سبق من البيان إلى مزيد . .

( قل : إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم . ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ) .

إنه الإعلان الذي يوحي بالشكر ، ويشي بالثقة ، ويفيض باليقين . . اليقين في بناء العبادة اللفظي ودلالتها المعنوية ، والثقة بالصلة الهادية . . صلة الربوبية الموجهة المهيمنة الراعية . . والشكر على الهداية إلى الصراط المستقيم ، الذي لا التواء فيه ولا عوج : ( دينا قيماً ) . . وهو دين الله القديم منذ إبراهيم . أبي هذه الأمة المسلمة المبارك المخلص المنيب : ( ملة إبراهيم حنيفا ، وما كان من المشركين ) .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (161)

دينا قيما : دين يقوم به أمر الناس في معاشهم . وفي قراءة : «قيما » بفتح القاف وتشديد الياء : ومعناه أيضا : مستقيم ، ومنه قوله تعالى : { وَذَلِكَ دِينُ القيمة } يعني دين الأمة المستقيمة .

حنيفا : مخلصا لعبادة الله .

نسكي : عبادتي .

محياي ومماتي : كل ما آتيه في حياتي ، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح .

أبغي : أطلب .

الوزر : الحمل الثقيل والإثم . ومعنى «لا تزر وازرة وِزْرَ أخرى »

لا يؤخذ أحدٌ بذنب غيره .

خلائف : خلفاء ، مفرده خليفة .

ليبلوكم : ليختبركم .

لما كانت هذه السورة أجمعَ السور لأصولِ الدين ، مع إقامة الحجج عليها ودفع الشبهة عنها ، وإبطال عقائد أهل الشرك وخرافاتهم ، جاءت هذه الخاتمة بقول جامعٍ لجملة ما فُصّل فيها . وهو أن الدين القيّم والصراطَ المستقيم هو ملةُ إبراهيم دون ما يدّعيه المشركون ، وما حرّفه أهلُ الكتاب . وأن النبي عليه الصلاة والسلام مستمسكٌ به ، معتصِمٌ بحَبْله ، يدعو إليه قولاً وعملا . وأنه هو الذي أكمل الدينَ بعد أن انحرفت الأمم السابقة عنه .

ثم بيّن أن الجزاء عند الله على الأعمال ، لا يؤاخَذ أحدٌ بذنْب غيره ، وأن المرجعَ إلى الله ، فهو الذي يستخلف في الأرض من يشاء ويختبر البشر بالنِعم والنِقَم ، يتولّى عقاب المسيئين ورحمةَ المحسنين ، فلا واسطة بينه وبين عباده .

قل أيها النبي لقومك ولسائر البشر : إن ربّي أرشدني إلى طريق مستقيمٍ بلغ نهاية الكمال وكان هو الدينَ الذي اتّبعه إبراهيم مخلصاً في عبادة الله وحده ، مائلاً عن العقائد الباطلة ، فلم يعبد مع الله إلهاً آخر كما يزعم المشركون .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (161)

{ 161 - 165 } { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }

161