في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (55)

40

ولكن إسرائيل هي إسرائيل ! هي هي كثافة حس ، ومادية فكر ، واحتجابا عن مسارب الغيب . . فإذا هم يطلبون أن يروا الله جهرة ، والذي طلب هذا هم السبعون المختارون منهم ، الذين اختارهم موسى لميقات ربه - الذي فصلت قصته في السور المكية من قبل - ويرفضون الإيمان لموسى إلا أن يروا الله عيانا . والقرآن يواجههم هنا بهذا التجديف الذي صدر من آبائهم ، لينكشف تعنتهم القديم الذي يشابه تعنتهم الجديد مع الرسول الكريم ، وطلبهم الخوارق منه ، وتحريضهم بعض المؤمنين على طلب الخوارق للتثبت من صدقه :

( وإذ قلتم : يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون . ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون . وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى . كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) . . إن الحس المادي الغليظ هو وحده طريقهم إلى المعرفة . . أم لعله التعنت والمعاجزة . .

والآيات الكثيرة ، والنعم الإلهية ، والعفو والمغفرة . . كلها لا تغير من تلك الطبيعة الجاسية ، التي لا تؤمن إلا بالمحسوس ، والتي تظل مع ذلك تجادل وتماحل ولا تستجيب إلا تحت وقع العذاب والتنكيل ، مما يوحي بأن فترة الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون الطاغية قد أفسدت فطرتهم إفسادا عميقا . وليس أشد إفسادا للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل ، والذي يحطم فضائل النفس البشرية ، ويحلل مقوماتها ، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد : استخذاء تحت سوط الجلاد ، وتمردا حين يرفع عنها السوط ، وتبطرا حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة . . وهكذا كانت إسرائيل ، وهكذا هي في كل حين . .

ومن ثم يجدفون هذا التجديف . ويتعنتون هذا التعنت :

( وإذ قلتم : يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) :

ومن ثم يأخذهم الله جزاء ذلك التجديف ، وهم على الجبل في الميقات المعلوم :

( فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ) . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (55)

الأولى : قوله تعالى : " وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله " " وإذ قلتم " معطوف " يا موسى " نداء مفرد " لن نؤمن لك " أي نصدقك " حتى نرى الله جهرة " قيل : هم السبعون الذين اختارهم موسى ، وذلك أنهم لما أسمعهم كلام الله تعالى قالوا له بعد ذلك : " لن نؤمن لك " [ البقرة : 55 ] والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم ، فأرسل الله عليهم نارا من السماء فأحرقهم ، ثم دعا موسى ربه فأحياهم كما قال تعالى : " ثم بعثناكم من بعد موتكم " [ البقرة : 56 ] وستأتي قصة السبعين في الأعراف{[768]} إن شاء الله تعالى .

قال ابن فورك : يحتمل أن تكون معاقبتهم لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقة بقولهم لموسى " أرنا الله جهرة " [ النساء : 153 ] وليس ذلك من مقدور موسى عليه السلام .

وقد اختلف في جواز رؤية الله تعالى ، فأكثر المبتدعة على إنكارها في الدنيا والآخرة وأهل السنة والسلف على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة ، فعلى هذا لم يطلبوا من الرؤية محالا وقد سألها موسى عليه السلام . وسيأتي الكلام في الرؤية في " الأنعام " و " الأعراف{[769]} " إن شاء الله تعالى .

الثانية : قوله تعالى : " جهرة " مصدر في موضع الحال ومعناه علانية ، وقيل عيانا قاله ابن عباس . وأصل الجهر الظهور ، ومنه الجهر بالقراءة إنما هو إظهارها . والمجاهرة بالمعاصي : المظاهرة بها . ورأيت الأمير جهارا وجهرة أي غير مستتر بشيء . وقرأ ابن عباس " جهرة " بفتح الهاء ، وهما لغتان : مثل زهرة وزهرة . وفي الجهر وجهان :

أحدهما : أنه صفة لخطابهم لموسى أنهم جهروا به ، وأعلنوا فيكون في الكلام تقديم وتأخير والتقدير : وإذ قلتم جهرة يا موسى .

الثاني : أنه صفة لما سألوه من روية الله تعالى أن يروه جهرة وعيانا فيكون الكلام عله نسقه لا تقديم فيه ولا تأخير ، وأكد بالجهر فرقا بين رؤية العيان ورؤية المنام .

الثالثة : قوله تعالى : " فأخذتكم الصاعقة{[770]} " قد تقدم في أول السورة معنى الصاعقة ، وقرأ عمر وعثمان وعلي " الصعقة " وهي قراءة ابن محيصين في جميع القرآن .

قوله تعالى : " وأنتم تنظرون " جملة في موضع الحال ويقال : كيف يموتون وهم ينظرون ؟ فالجواب أن العرب تقول دور آل فلان تراءى أي يقابل بعضها بعضا وقيل : المعنى " تنظرون " أي إلى حالكم وما نزل بكم من الموت وآثار الصعقة .


[768]:راجع ج 7 ص 294
[769]:راجع ج 7 ص 54 و ص 278
[770]:راجع ص 219 من هذا الجزء.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (55)

قوله تعالى : ( وإذا قلتم يا موسى لن نومن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى عليه السلام ، أنهم لن يومنوا له أو يصدقوه إلا إذا رأوا ربهم جهرة أي علانية أو عيانا ، وهي من الجهر أو المجاهرة أو الجهار بمعنى الظهور أو الإظهار .

وقد ورد قولان في حقيقة الذين اجترحوا هذه المقولة ( لن نومن لك حتى نرى الله جهرة ) .

وأحد هذين القولين : أن ذلك في السبعين من بني إسرائيل الذين اخارهم موسى لميقات ربه ، فلما أسمعهم موسى كلام الله عتوا وأسرفوا في التمرد وغالوا مغالاة يتورع عنها الخاشعون الذين يتقون الله فقالوا : ( لن نومن لك حتى نرى الله جهرة ) وذلك مطلب لا جرم ينطوي على غاية الاجتراء الفاجر أو التطاول الأثيم المغالي الذي ينم على طبع لجوج متوقح ، خصوصا إذا علمنا أن هؤلاء السبعين كانوا من خيرة بني إسرائيل وصفوتهم الذين اصطفاهم موسى لإعلان التوبة نيابة عن قومهم فوق الجبل المقدس .

هؤلاء هم صفوة القوم وطليعتهم في العلم والورع ، لا يتورعون عن مطالبتهم السقيمة وهي أن يروا ربهم عيانا علانية ، وهي مطالبة لا تتيسر للبشر في هذه الدنيا كما ذهب أكثر أهل العلم فضلا عن أن ذلك لا يليق بمثل هذه الصفوة من خيار بني إسرائيل الذين انتخبهم موسى لميقات الله على الجبل ، إنه لا يليق بهم ، وهم الطليعة المؤمنة المصطفاة من القوم أن يطلبوا مثل هذا المطلب المتطاول الذي لا تشفعه أية أثارة من تواضع أو تورع أو حياء .

وثاني هذين القولين : أن موسى لما رجع من عند الله ومعه الألواح قد كتب فيها التوراة وفيها علم وهداية ونور ، أمرهم أن يهتدوا بهديها وأن يأتمروا بما فيها من أوامر أو زواجر ، فقال له قومه مقولتهم هذه العاتية المقبوحة : ( لن نومن لك حتى ترى الله جهرة ) .

قوله : ( فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ) الصاعقة هي الصيحة ، وقيل النار ، أو هي النازلة من الرعد ، وكلها معان متشابهة من حيث العذاب الحارق المدمر الذي لا يصيب شيئا إلا دكه دكا وحرفه تحريفا ، لما قال قوم موسى مقالتهم العاتية سواء قالها السبعون أو عامتهم أصابهم الله بنوازل من الصواعق الحارقة التي تدمرهم تدميرا ، وقد كان ذلك وهم ينظر بعضهم بعضا فكلما أصابت الصواعق فريقا منهم نظر إليهم بقيتهم بعين الوجل كالذي يغشى عليه من الموت .