في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩} (18)

وإذا كان الناس بتفكيرهم ونزعاتهم وميولهم ، فإن الكون كله - فيما عداهم - يتجه بفطرته إلى خالقه ، يخضع لناموسه ، ويسجد لوجهه :

( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض ، والشمس والقمر والنجوم ، والجبال والشجر والدواب ، وكثير من الناس ، وكثير حق عليه العذاب . ومن يهن الله فما له من مكرم . إن الله يفعل ما يشاء ) . .

ويتدبر القلب هذا النص ، فإذا حشد من الخلائق مما يدرك الإنسان ومما لا يدرك . وإذا حشد من الأفلاك والأجرام . مما يعلم الإنسان ومما لا يعلم . وإذا حشد من الجبال والشجر والدواب في هذه الأرض التي يعيش عليها الإنسان . . إذا بتلك الحشود كلها في موكب خاشع تسجد كلها لله ، وتتجه إليه وحده دون سواه . تتجه إليه وحده في وحدة واتساق . إلا ذلك الإنسان فهو وحده الذي يتفرق : ( وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب )فيبدو هذا الإنسان عجيبا في ذلك الموكب المتناسق .

وهنا يقرر أن من يحق عليه العذاب فقد حق عليه الهوان : ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) . . فلا كرامة إلا بإكرام الله ، ولا عزة إلا بعزة الله . وقد ذل وهان من دان لغير الديان .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩} (18)

قوله تعالى : " ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض " هذه رؤية القلب ، أي ألم تر بقلبك وعقلك . وتقدم معنى السجود في " البقرة " {[11446]} ، وسجود الجماد في " النحل " {[11447]} . " والشمس " معطوفة على " من " . وكذا " والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس " . ثم قال : " وكثير حق عليه العذاب " وهذا مشكل من الإعراب ، كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل ؛ مثل " والظالمين أعد لهم عذابا أليما " ؟{[11448]} [ الإنسان : 31 ] فزعم الكسائي والفراء أنه لو نصب لكان حسنا ، ولكن اختير الرفع لأن المعنى وكثير أبي السجود ، فيكون ابتداء وخبرا ، وتم الكلام عند قوله " وكثير من الناس " . ويجوز أن يكون معطوفا ، على أن يكون السجود التذلل والانقياد لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوة وصحة وسقم وحسن وقبح ، وهذا يدخل فيه كل شيء . ويجوز أن ينتصب على تقدير : وأهان كثيرا حق عليه العذاب ونحوه . وقيل : تم الكلام عند قوله " والدواب " ثم ابتدأ فقال " وكثير من الناس " في الجنة " وكثير حق عليه العذاب " . وكذا روي عن ابن عباس أنه قال : ( المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب ) ، ذكره ابن الأنباري . وقال أبو العالية : ما في السماوات نجم ولا قمر ولا شمس إلا يقع ساجدا لله حين يغيب ، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه ) . قال القشيري : وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس ، فهذا سجود حقيقي ، ومن ضرورته تركيب الحياة والعقل في هذا الساجد .

قلت : الحديث المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم ، وسيأتي في سورة " يس " عند قوله تعالى : " والشمس تجري لمستقر لها " {[11449]} [ يس : 38 ] . وقد تقدم في البقرة معنى السجود لغة ومعنى .

قوله تعالى : " ومن يهن الله فما له من مكرم " أي من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه . وقال ابن عباس : ( إن تهاون بعبادة الله صار إلى النار ) .

قوله تعالى : " إن الله يفعل ما يشاء " يريد أن مصيرهم إلى النار فلا اعتراض لأحد عليه . وحكى الأخفش والكسائي والفراء " ومن يهن الله فما له من مكرم " أي إكرام .


[11446]:راجع ج 1 ص 291.
[11447]:راجع ج 10 ص 112.
[11448]:راجع ج 19 ص 150.
[11449]:راجع ج 15 ص 26 فما بعد.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩} (18)

قوله تعالى : { ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ( 18 ) } المراد بالرؤية ، ما كان بالقلب ؛ أي ألم تر يا محمد بقلبك وعقلك فتعلم أن الله يسجد له من في السموات من الملائكة ، ومن في الأرض من الجن . وكذا الشمس والقمر والنجوم ، كل ذلك يسجد لله وسجوده امتثاله الكامل لله . وهيئة ذلك إنما يعلم حقيقتها الله . وأما الجبال والشجر والدواب ، فسجود ذلك ظلاله حين تطلع عليه الشمس وحين تزول . فتحول الظل للشيء هو سجوده .

قوله : ( وكثير من الناس ) ( كثير ) ، مرفوع بالعطف على ( من ) في قوله : ( يسجد له من في السماوات ) . وقيل : مرفوع على الابتداء . وما بعده خبره . وقيل : خبره محذوف وتقديره : وكثير من الناس ثبت له الثواب{[3086]} .

والمعنى : ويسجد كثير من بني آدم لله وهم المؤمنون الطائعون العابدون .

قوله : ( وكثير حق عليه العذاب ) معطوف على كثير الأول ؛ أي كثير من بني آدم امتنع وأبى واستكبر فحق عليه العذاب .

قوله : ( ومن يهن الله فما له من مكرم ) أي من كتب الله له الشقاوة والمهانة لما سبق في علمه من كفره أو فسقه وضلاله ؛ فليس له من مكرم يكرمه بالسعادة ( إن الله يفعل ما يشاء ) أي يفعل في خلقه ما يقدره من الإهانة والإكرام وهو سبحانه لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون . {[3087]}


[3086]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 171.
[3087]:- تفسير الطبري جـ17 ص 98 وتفسير البيضاوي ص 442.