ثم يمضي في التعقيب على حديث الإفك ؛ وما تخلف عنه من آثار ؛ مكررا التحذير من مثله ، مذكرا بفضل الله ورحمته ، متوعدا من يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بعذاب الله في الآخرة . ذلك مع تنقية النفوس من آثار المعركة ؛ وإطلاقها من ملابسات الأرض ، وإعادة الصفاء إليها والإشراق . . كما تتمثل في موقف أبي بكر - رضي الله عنه - من قريبه مسطح بن أثاثة الذي خاض في حديث الإفك مع من خاض :
( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) . .
والذين يرمون المحصنات - وبخاصة أولئك الذين تجرأوا على رمي بيت النبوة الكريم - إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة ؛ وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفاحشة ، وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها . . بذلك تشيع الفاحشة في النفوس ، لتشيع بعد ذلك في الواقع .
من أجل هذا وصف الذين يرمون المحصنات بأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ، وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة .
وذلك جانب من منهج التربية ، وإجراء من إجراءات الوقاية . يقوم على خبرة بالنفس البشرية ، ومعرفة بطريقة تكيف مشاعرها واتجاهاتها . . ومن ثم يعقب بقوله : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) . . ومن ذا الذي يعلم أمر هذه النفس إلا الذي خلقها ? ومن ذا الذي يدبر أمر هذه الإنسانية إلا الذي برأها ? ومن ذا الذي يرى الظاهر والباطن ، ولا يخفى على علمه شيء إلا العليم الخبير ?
الثامنة عشرة-قوله تعالى : " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة " أي تفشو ، يقال : شاع الشيء شيوعا وشيعا وشيعانا وشيوعه ، أي ظهر وتفرق . " في الذين آمنوا " أي في المحصنين والمحصنات . والمراد بهذا اللفظ العام عائشة وصفوان رضي الله عنهما . والفاحشة : الفعل القبيح المفرط القبح . وقيل : الفاحشة في هذه الآية القول السيء . " لهم عذاب أليم في الدنيا " أي الحد . وفي الآخرة عذاب النار ، أي للمنافقين ، فهو مخصوص . وقد بينا أن الحد للمؤمنين كفارة . وقال الطبري : معناه إن مات مصرا غير تائب .
التاسعة عشرة-قوله تعالى : " والله يعلم " أي يعلم مقدار عظم هذا الذنب والمجازاة عليه ويعلم كل شيء . " وأنتم لا تعلمون " روي من حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أيما رجل شد عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في سخط الله حتى ينزع عنها . وأيما رجل قال بشفاعته دون حد من حدود الله أن يقام فقد عاند الله حقا وأقدم على سخطه وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة . وأيما رجل أشاع عل رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يرى أن يشينه بها في الدنيا كان حقا على الله تعالى أن يرميه بها في النار - ثم تلا مصداقه من كتاب الله تعالى : " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا " الآية .
قوله : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ) ( تشيع ) ، الشيوع والشيعوعة ؛ أي تذيع وتظهر . أشاع الخبر أي أذاعه{[3236]} . و ( الفاحشة ) ، من الفحش وهو القول السيء . وكل شيء جاوز الحد فهو فاحش{[3237]} . ونزلت هذه الآية في قذف السيدة عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . فوجب بذلك إجراؤها على ظاهرها في العموم ؛ فهي بذلك تطول كل من كان موصوفا بهذه الصفة من القذف والإرجاف وإشاعة الظنون والريب بين الناس . وعلى هذا ، فمعنى الآية : إن الذين يحبون أن تفشوا الفاحشة وهي الزنا أو مقالة السوء لتذيع وتنتشر بين المسلمين ( لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ) وذلك تهديد للقذفة الذين يثيرون الأراجيف ومقالات السوء والفحش بين الناس ، بأن لهم العذاب في الدنيا بالحد ، وفي الآخرة يصيرون إلى عذاب النار .
قوله : ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) الله يعلم كذب الأفاكين الذين يفترون الباطل على المؤمنين والمؤمنات ، وأنتم أيها الناس لا تعلمون ما يخفى عليكم مما هو مستور في بطن الغيب . وإنما عليكم أن تردوا علم ذلك كله إلى الله ؛ فهو علام الغيوب .
وفي النهي عن تتبع عورات المسلمين والنبش عن أخبارهم وأستارهم ، أخرج الإمام أحمد عن ثوبان عن النبي ( ص ) قال : " لا تؤذوا عباد الله ولا تعيّروهم ولا تطلبوا عوراتهم ؛ فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته " {[3238]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.