والقرآن يرسم صورة لتلك الفترة التي أفلت فيها الزمام ؛ واختلت فيها المقاييس ، واضطربت فيها القيم ، وضاعت فيها الأصول :
( إذ تلقونه بألسنتكم ، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ؛ وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) . .
وهي صورة فيها الخفة والاستهتار وقلة التحرج ، وتناول أعظم الأمور وأخطرها بلا مبالاة ولا اهتمام :
( إذ تلقونه بألسنتكم ) . . لسان يتلقى عن لسان ، بلا تدبر ولا ترو ولا فحص ولا إنعام نظر . حتى لكأن القول لا يمر على الآذان ، ولا تتملاه الرؤوس ، ولا تتدبره القلوب ! ( وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ) . . بأفواهكم لا بوعيكم ولا بعقلكم ولا بقلبكم . إنما هي كلمات تقذف بها الأفواه ، قبل أن تستقر في المدارك ، وقبل أن تتلقاها العقول . . ( وتحسبونه هينا )أن تقذفوا عرض رسول الله ، وأن تدعوا الألم يعصر قلبه وقلب زوجه وأهله ؛ وأن تلوثوا بيت الصديق الذي لم يرم في الجاهلية ؛ وأن تتهموا صحابيا مجاهدا في سبيل الله . وأن تمسوا عصمة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وصلته بربه ، ورعاية الله له . . ( وتحسبونه هينا ) . . ( وهو عند الله عظيم ) . . وما يعظم عند الله إلا الجليل الضخم الذي تزلزل له الرواسي ، وتضج منه الأرض والسماء .
الثانية عشرة-قوله تعالى : " إذ تلقَّونه بألسنتكم " قراءة محمد بن السميقع بضم التاء وسكون اللام وضم القاف ، من الإلقاء ، وهذه قراءة بينة . وقرأ أبي وابن مسعود " إذ تتلقونه " من التلقي ، بتاءين . وقرأ جمهور السبعة بحرف التاء الواحدة وإظهار الذال دون إدغام ، وهذا أيضا من التلقي . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام الذال في التاء . وقرأ ابن كثير بإظهار الذال وإدغام التاء في التاء ، وهذه قراءة قلقة ؛ لأنها تقتضي اجتماع ساكنين ، وليست كالإدغام في قراءة من قرأ " فلا تناجوا . ولا تنابزوا " لأن دونه الألف الساكنة ، وكونها حرف لين حسنت هنالك ما لا تحسن مع سكون الذال . وقرأ ابن يعمر وعائشة رضي الله عنهما - وهم أعلم الناس بهذا الأمر - " إذ تلقَّونه " بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف ، ومعنى هذه القراءة من قول العرب : وَلَقَ الرَّجُلُ يلِق وَلْقًا إذا كذب واستمر عليه ، فجاؤوا بالمتعدي شاهدا على غير المتعدي . قال ابن عطية : وعندي أنه أراد إذ تلقون فيه ، فحذف حرف الجر فاتصل الضمير . وقال الخليل وأبو عمرو : أصل الولق الإسراع ، يقال : جاءت الإبل تلق ، أي تسرع . قال :
لما رأوا جيشا عليهم قد طرق *** جاؤوا بأسراب من الشأم وَلِقْ
إن الحُصَيْنَ زَلِق وزُمَّلِق *** جاءت به عَنْس{[11837]} من الشأم تَلِقْ
يقال : رجل زَلِق وزُمَلِق ، مثال هُدَبِد ، وزمالق وزُمَّلِق ( بتشديد الميم ) وهو الذي ينزل قبل أن يجامع ، قال الراجز :
والولق أيضا أخف الطعن . وقد وَلَقَه يلِقُه وَلْقًا . يقال : وَلَقَه بالسيف ولقات ، أي ضربات ، فهو مشترك .
الثالثة عشرة-قوله تعالى : " وتقولون بأفواهكم ما " مبالغة وإلزام وتأكيد . والضمير في " تحسبونه " عائد على الحديث والخوض فيه والإذاعة له . و " هينا " أي شيئا يسيرا لا يلحقكم فيه إثم . " وهو عند الله " في الوزر " عظيم " . وهذا مثل قوله عليه السلام في حديث القبرين : ( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ) أي بالنسبة إليكم .
قوله : ( إذ تلقونه بألسنتكم ) بتشديد القاف ؛ أي تأخذون الإفك الذي زعمته العصبة المؤتفكة فيرويه بعضكم عن بعض ، يقول الواحد : سمعت هذا الكلام عن فلان .
وروي عن عائشة أنها كانت تقرأ ( تلقونه ) بفتح التاء وكسر الليم وضم القاف من الولق والألق وهو الكذب .
قوله : ( وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ) أي تقولون ما لا تعلمون . فأنتم تتحدثون بالإفك بألسنتكم دون أن تعلموا حقيقة ذلك ولا صحته ( وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ) أي تحسبون ما تقولونه من الإفك أمرا يسيرا وسهلا وهو في الحقيقة عظيم الخطيئة والمأخذ . على أن خطيئة الإفك والتحدث بالبهتان فيما بينكم ، أمر عظيم الذنب . فكيف إن كان الافتراء والائتفاك على بيت رسول الله ( ص ) وأهله . لا جرم أن يكون ذلك أشد فداحة ونكرا ، وأعظم خطيئة ووزرا . وفي الصحيحين عن رسول الله ( ص ) : " وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض " .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.