في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ} (12)

( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ، وقالوا : هذا إفك مبين ) . .

نعم كان هذا هو الأولى . . أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا . وأن يستبعدوا سقوط أنفسهم في مثل هذه الحمأة . . وامرأة نبيهم الطاهرة وأخوهم الصحابي المجاهد هما من أنفسهم . فظن الخير بهما أولى . فإن ما لا يليق بهم لا يليق بزوج رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ولا يليق بصاحبه الذي لم يعلم عنه إلا خيرا . . كذلك فعل أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته - رضي الله عنهما - كما روى الإمام محمد ابن إسحاق : أن أبا أيوب قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة - رضي الله عنها ? - قال : نعم . وذلك الكذب . أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ? قالت : لا والله ما كنت لأفعله . قال : فعائشة والله خير منك . . ونقل الإمام محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره : " الكشاف " أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب : ألا ترين ما يقال ? فقالت : لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] سوءا ? قال : لا . قالت : ولو كنت أنا بدل عائشة - رضي الله عنها - ما خنت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فعائشة خير مني ، وصفوان خير منك . .

وكلتا الروايتين تدلان على أن بعض المسلمين رجع إلى نفسه واستفتى قلبه ، فاستبعد أن يقع ما نسب إلى عائشة ، وما نسب إلى رجل من المسلمين : من معصية لله وخيانة لرسوله ، وارتكاس في حمأة الفاحشة ، لمجرد شبهة لا تقف للمناقشة !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ} (12)

السابعة-قوله تعالى : " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا " هذا عتاب من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في ظنهم حين قال أصحاب الإفك ما قالوا . قال ابن زيد : ظن المؤمنون أن المؤمن لا يفجر بأمه ، قاله المهدوي . و " لولا " بمعنى هلا . وقيل : المعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم ، فإن كان ذلك يبعد فيهم فذلك في عائشة وصفوان أبعد . وروي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته ، وذلك أنه دخل عليها فقالت له : يا أبا أيوب أسمعت ما قيل ؟ فقال : نعم ، وذلك الكذب أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك قالت : لا والله . قال : فعائشة والله أفضل منك ، قالت أم أيوب : نعم . فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله تعالى عليه{[11833]} المؤمنين إذ لم يفعله جميعهم .

الثامنة-قوله تعالى : " بأنفسهم " قال النحاس : معنى " بأنفسهم " بإخوانهم . فأوجب الله على المسلمين إذا سمعوا رجلا يقذف أحدا ويذكره{[11834]} بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه وتواعد من ترك ذلك ومن نقله . قلت : ولأجل هذا قال العلماء : إن الآية أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان ، ومنزلة الصلاح التي حلها المؤمن{[11835]} ، ولبسة العفاف التي يستتر بها المسلم لا يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع إذا كان أصله فاسدا أو مجهولا .


[11833]:في الأصول وتفسير ابن عطية: "عاتب الله تعالى على المؤمنين".
[11834]:كذا في ك.
[11835]:في ك: المرء.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ} (12)

قوله تعالى : { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين ( 12 ) لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ( 13 ) } ذلك تأديب وعتاب من الله للمؤمنين حين أفاض الناس في قصة الإفك بما لا ينبغي أن يصدر عنهم وهم الذين آمنوا بالله ورسوله وأيقنوا بعصمة نبيهم ( ص ) وما يقتضيه ذلك من طهر بيته المصون . ما كان ينبغي لهم- وهم المؤمنون المصدقون- أن يستمعوا مجرد استماع لمثل هذا الافتراء الظالم دون أن يفنّدوه ويدحضوه دحضا ويستنكروه أيما استنكار . فقال سبحانه : ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) أي هلا ، حين سمعتم مقالة الإفك وفداحة الكذب والافتراء على أم المؤمنين – أن تقيسوا ذلك على أنفسكم ، فإن كان ذلك لا يليق بكم ولا يصدر عنكم ولا يُتصور حصوله منكم فلا جرم أن يكون حصوله عن الحرم المصون أشد بعدا . وقد ذكر في ذلك أن أبا أيوب الأنصاري دخل يوما على امرأته فقالت له : يا أبا أيوب ، أسمعت ما قيل ؟ ! فقال : نعم ! وذلك الكذب ! أكنت أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك ؟ ! قالت : لا والله : قال : فعائشة والله أفضل منكِ . قالت أم أيوب : نعم .

ذلك الذي ينبغي أن يتجلى في خلق المسلمين وسلوكهم ليكونوا أبعد الناس عن طيش التفكير وثرثرة اللسان في خفة ورعونة . المسلمون الحقيقيون أجد أن لا تسخفهم فئة مندسّة من المارقين والمنافقين الماكرين فيرددوا مقالات فحشهم في حماقة وعجل . والأهم من ذلك كله أن يثق المسلم بشرف إخوانه وصدقهم وبراءتهم مما ينسب إليهم من بذاءات الكلام الخسيس . فما يسمع المسلم عن إخوانه كلمة الفحش أو السوء حتى يبادر في عجل لدفعها وتكذيبها والذبّ عن إخوانه ما استطاع إلى ذلك سبيلا .

وكيف إذا كان المفترى عليه حمى رسول الله ( ص ) وبيته المشرّف الميمون ، خير بيت حملته الأرض أو سمعت به الأمم والأجيال ؟ ! إنه لجدير بكل مسلم أن يُجهش في الغيرة والغضب إذا ما اجترأ خبيث أو مارق أو حاقد أو سفيه مسف على الإساءة إلى شرف رسول الله ( ص ) أو سمعته . كالذي نقرأه أو نسمعه من مقولات الكذب والافتراء والسوء تخطها أقلام الكذابين الأفاكين من خصوم الإسلام في الغرب والشرق ، حيث الاستعماريون والصليبيون والصهيونيون والوثنيون وأتباعهم من الناعقين والعملاء في كل مكان . فأولئك جميعا يتمالأون على الإسلام تارة ، وعلى نبي الإسلام تارة أخرى ، وذلك بإثارة الشبهات والأباطيل مما ينشر الظن والريبة والقلق في نفوس المسلمين فيرتابون في رسول الله ( ص ) ثم ينثنون عن دينهم أو يزهدون فيه .

وما على المسلمين أمام هاتيك الحملات المشوبة على الإسلام ودينه إلا أن يحذروا ويتنبهوا ويبادروا في همة رفيعة وحماسة مشبوبة للتصدي والرد على هذه الأكاذيب المصطنعة لتفنيدها ودفعها وكشف زيفها وسخفها كيما يعلم الناس والغافلون أن الذين يفترون على الإسلام ونبيه ليسوا غير شراذم من مرضى النفوس والعقول . أولئك المضلون الموغلون في العماية وسقم التفكير .

قوله : ( وقالوا هذا إفك مبين ) أي قال المؤمنون عند سماع الإفك : هذا كذب وإثم وبهتان .