في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ} (12)

وحرمنا عليه المراضع من قبل . فقالت : هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ? ) . .

إن القدرة التي ترعاه تدبر أمره ، وتكيد به لفرعون وآله ؛ فتجعلهم يلتقطونه ، وتجعلهم يحبونه ، وتجعلهم يبحثون له عن ظئر ترضعه ، وتحرم عليه المراضع ، لتدعهم يحتارون به ؛ وهو يرفض الثدي كلما عرضت عليه ، وهم يخشون عليه الموت أو الذبول ! حتى تبصر به أخته من بعيد ، فتعرفه وتتيح لها القدرة فرصة لهفتهم على مرضع ، فتقول لهم : ( هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون )? فيتلقفون كلماتها ، وهم يستبشرون ، يودون لو تصدق فينجو الطفل العزيز المحبوب !

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ} (12)

قوله تعالى : " وحرمنا عليه المراضع من قبل " أي منعناه من الارتضاع من قبل ، أي من قبل مجيء أمه وأخته و " المراضع " جمع مرضع ومن قال مراضيع فهو جمع مرضاع ، ومفعال يكون للتكثير ، ولا تدخل الهاء فيه فرقا بين المؤنث والمذكر ؛ لأنه ليس بجار على الفعل ، ولكن من قال مرضاعة جاء بالهاء للمبالغة ، كما يقال مطرابة . قال ابن عباس : لا يؤتى بمرضع فيقبلها وهذا تحريم منع لا تحريم شرع . قال امرؤ القيس :

جالت لتصرَعَنِي فقلتُ لها اقْصِرِي *** إني امرؤٌ صرعِي عليكِ حَرَامُ{[12338]}

أي ممتنع " فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم " الآية . فقالوا لها عند قولها : " وهم له ناصحون " وما يدريك ؟ لعلك تعرفين أهله ؟ فقالت : لا ، ولكنهم يحرصون على مسرة الملك ، ويرغبون في ظئره . وقال السدي وابن جريج : قيل لها لما قالت : " وهم له ناصحون " قد عرفت أهل هذا الصبي فدلينا عليهم ، فقالت : أردت وهم للملك ناصحون ، فدلتهم على أم موسى ، فانطلقت إليها بأمرهم فجاءت بها ، والصبي علي يد فرعون يعلله شفقة عليه ، وهو يبكي يطلب الرضاع ، فدفعه إليها ، فلما وجد الصبي ريح أمة قبل ثديها وقال ابن زيد : استرابوها حين قالت ذلك . فقالت : وهم للملك ناصحون . وقيل : إنها لما قالت : " هل أدلكم علي أهل بيت يكلفونه لكم " وكانوا يبالغون في طلب مرضعة يقبل ثديها فقالوا : من هي ؟ فقالت : أمي . فقيل : لها لبن ؟ قالت : نعم ! لبن هارون وكان ولد في سنة لا يقتل فيها الصبيان فقالوا صدقت والله . " وهم له ناصحون " أي فيهم شفقة ونصح ، فروي أنه قيل لأم موسى حين ارتضع منها : كيف ارتضع منك ولم يرتضع من غيرك ؟ فقالت : إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن ، لا أكاد أوتى بصبي إلا ارتضع مني قال أبو عمران الجوني : وكان فرعون يعطي أم موسي كل يوم دينارا قال الزمخشري : فإن قلت كيف حل لها أن تأخذ الأجر علي إرضاع ولدها ؟ قلت : ما كانت تأخذه على أنه أجر على الرضاع ، ولكنه مال حربي تأخذه على وجه الاستباحة .


[12338]:جالت: قلقت. يقول: ذهبت الناقة بقلقها ونشاطها لتصرعني فلم تقدر على ذلك لحذقي بالركوب ومعرفتي به.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{۞وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ} (12)

ولما كان ذلك أحد الأسباب في رده ، ذكر في جملة حالية سبباً آخر قريباً منه فقال : { وحرمنا } أي منعنا بعظمتنا التي لا يتخلف أمرها ، ويتضاءل كل شيء دونها { عليه المراضع } جمع مرضعة ، وهي من تكترى للرضاع من الأجانب ، أي حكمنا بمنعه من الارتضاع منهن ، استعار التحريم للمنع لأنه منع فيه رحمة ؛ قال الرازي في اللوامع : تحريم منع لا تحريم شرع .

ولما كان قد ارتضع من أمه من حين ولدته إلى حين إلقائه في اليم ، فلم يستغرق التحريم الزمان الماضي ، أثبت الجار فقال : { من قبل } أي قبل أن تأمر أمه أخته بما أمرتها به وبعد إلقائها له ، ليكون ذلك سبباً لرده إليها ، فلم يرضع من غيرها فأشفقوا عليه فأتتهم أخته فقالوا لها : هل عندك مرضعة تدلينا عليها لعله يقبل ثديها ؟ { فقالت } أي فدنت أخته منه بعد نظرها له فقالت لهم لما رأتهم في غاية الاهتمام برضاعه لما عرضوا عليه المراضع فأبى أن يرتضع من واحدة منهن : { هل } لكم حاجة في أني { أدلكم على أهل بيت } ولم يقل : على امرأة ، لتوسع دائرة الظن { يكفلونه لكم } أي يأخذونه ويعولونه ويقومون بجميع مصالحه من الرضاع وغيره لأجلكم ، وزادتهم رغبة بقولها : { وهم له ناصحون* } أي ثابت نصحهم له ، لا يغشونه نوعاً من الغش ؛ قال البغوي : والنصح ضد الغش ، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد فكادت بهذا الكلام تصرح بأن المدلول عليها أمه ، فارتابوا من كلامها فاعتذرت بأنهم يعملون ذلك تقرباً إلى الملك وتحبباً إليه تعززاً به ، فظنوا ذلك ، وهذا وأمثاله بيان من الله تعالى لأنه لا يعلم أحد في السماوات والأرض الغيب إلا هو سبحانه ، فلا يصح أن يكون غيره إلهاً ، فلما سكنوا إليها طلبوا أن تدلهم ، فأتت بأمها فأحللنا له رضاعها فأخذ ثديها فقالوا : أقيمي عندنا ، فقالت : لا أقدر على فراق بيتي .

إن رضيتم أن أكفله في بيتي وإلا فلا حاجة لي ، وأظهرت التزهد فيه نفياً للتهمة ، فرضوا بذلك فرجعت به إلى بيتها ، والآية من الاحتباك : ذكر التحريم أولاً دليلاً على الإحلال ثانياً ، واستفهام أخته ثانياً دليلاً على استفهامهم لها أولاً ، وسره أن ذكر الأغرب من أمره الأدل على القدرة ،

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ} (12)

قوله : { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ } { الْمَرَاضِعَ } جمع مرضع ، وهي المرأة التي ترضع ، والمعنى : أننا منعناه من الارتضاع من قبل أن تجيء أخته . أو من قبل أن ترده على أمه . وهذا تحريم منع وليس تحريم شرع ، فقد أحدث الله في نفس موسى وفي طبعه نفارا عن لبن سائر النساء ، فلذلك لم يرضع من واحدة منهن ، وكان ذلك كله بتقدير الله وتدبيره وتصريفه للأمور كما يشاء وفقا لحكمته البالغة وإرادته المطلقة ؛ بل إن ما جرى لموسى من أول سيرته حتى آخرها كان مقدورا ومسطورا في علم الله ؛ سواء في ذلك نجاته من فرعون ، وكون فرعون عقيما لا يلد ، وكون زوجته مؤمنة ، لتحب موسى وتحنو عليه ، . ثم نفاره من الرضاع من سائر النساء وإرضاعه بإنفاق ورعاية من فرعون نفسهن ثم قتله القبطي وفراره إلى مدين ، ثم رجوعه إلى مصر لتبليغ رسالة الله للناس كل هذه الأحداث كانت متوافقة مترابطة ومقدوره حتى تتم إرادة الله وينفذ حكمه .

قوله : { فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } أرادت أخت موسى أن تدل آل فرعون على آل بيت يضمنون رضاعه والقيام بما يصلحه تماما { وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } أي لا يخونونه ولا يفرّطون فيه ، بل يبذلون له كامل النصح والرعاية وإخلاص العمل .

فلما قالت أخت موسى ذلك سألوها أن تدلهم عليه ، فذهبت بهم إلى منزل أهلها ومعهم موسى . ولما دخلوا به على أمه فأعطته ثديها التقمه ففرحوا بذلك فرحا كبيرا . فاستدعتها امرأة فرعون ثم سألتها أن تمكث عندها فترضعه ، فاعتذرت لها بأن لها بعلا وأولادا فلا تقدر أن تبرحهم لتقيم عندها بجانب فرعون ، فقبلت منها أن تعود بموسى إلى بيتها لتمكث فيه وتقوم بإرضاعه ورعايته وإصلاح شأنه ، وفي مقابل ذلك أجرت عليها امرأة فرعون النفقة والعطاء وجزيل الإحسان . وبذلك قد أنجز الله وعده له برده إليها وهو قوله : { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ }