( اعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) .
حتى يأتيه اليقين الذي ما بعده يقين . . الأجل . . فيمضي إلى جوار ربه الكريم :
( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون . فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين . واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) .
ويكون هذا ختام السورة . . الإعراض عن الكافرين واللواذ بجوار الله الكريم . أولئك الكافرين الذين سيأتي يوم يودون فيه لو كانوا مسلمين . .
إن الصدع بحقيقة هذه العقيدة ؛ والجهر بكل مقوماتها وكل مقتضياتها . ضرورة في الحركة بهذه الدعوة ؛ فالصدع القوي النافذ هو الذي يهز الفطرة الغافية ؛ ويوقظ المشاعر المتبلدة ؛ ويقيم الحجة على الناس ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة )أما التدسس الناعم بهذه العقيدة ؛ وجعلها عضين يعرض الداعية منها جانبا ويكتم جانبا ، لأن هذا الجانب يثير الطواغيت أو يصد الجماهير ! فهذا ليس من طبيعة الحركة الصحيحة بهذه العقيدة القوية .
والصدع بحقيقة هذه الحقيقة لا يعني الغلظة المنفرة ، والخشونة وقلة الذوق والجلافة ! كما أن الدعوة بالحسنى لا تعني التدسس الناعم ، وكتمان جانب من حقائق هذه العقيدة وإبداء جانب ، وجعل القرآن عضين . . لا هذه ولا تلك . . إنما هو البيان الكامل لكل حقائق هذه العقيدة ؛ في وضوح جلي ، وفي حكمة كذلك في الخطاب ولطف ومودة ولين وتيسير .
" وليست وظيفة الإسلام أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض ، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان . . لم تكن هذه وظيفته يوم جاء ؛ ولن تكون هذه وظيفته اليوم ولا في المستقبل . . فالجاهلية هي الجاهلية ، والإسلام هو الإسلام . . الجاهلية هي الانحراف عن العبودية لله وحده ، وعن المنهج الإلهي في الحياة ، واستنباط النظم والشرائع والقوانين ، والعادات والتقاليد والقيم والموازين ، من مصدر آخر غير المصدر الإلهي . . والإسلام هو الإسلام ، ووظيفته هي نقل الناس من الجاهلية إلى الإسلام " .
وهذه الحقيقة الأساسية الكبيرة هي التي يجب أن يصدع بها أصحاب الدعوة الإسلامية ، ولا يخفوا منها شيئا ؛ وأن يصروا عليها مهما لاقوا من بطش الطواغيت وتململ الجماهير :
( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون . فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين . واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) . .
فيه مسألة واحدة : وهو أن اليقين الموت . أمره بعبادته إذ{[9774]} قصر عباده في خدمته ، وأن ذلك يجب عليه . فإن قيل : فما فائدة قوله : " حتى يأتيك اليقين " وكان قوله : " واعبد ربك " كافيا في الأمر بالعبادة . قيل له : الفائدة في هذا أنه لو قال : " واعبد ربك " مطلقا ثم عبده مرة واحدة كان مطيعا ، وإذا قال " حتى يأتيك اليقين " كان معناه لا تفارق هذا حتى تموت . فإن قيل : كيف قال سبحانه : " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " ولم يقل أبدا ، فالجواب أن اليقين أبلغ من قوله : أبدا ؛ لاحتمال لفظ الأبد للحظة الواحدة ولجميع الأبد . وقد تقدم هذا المعنى{[9775]} . والمراد استمرار العبادة مدة حياته ، كما قال العبد الصالح : وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا . ويتركب على هذا أن الرجل إذا قال لامرأته : أنت طالق أبدا ، وقال : نويت يوما أو شهرا كانت عليه الرجعة . ولو قال : طلقتها حياتها لم يراجعها . والدليل على أن اليقين الموت حديث أم العلاء الأنصارية ، وكانت من المبايعات ، وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما عثمان - أعني عثمان بن مظعون - فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير ، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به ) وذكر الحديث{[9776]} . انفرد بإخراجه البخاري رحمه الله وكان عمر بن عبدالعزيز يقول : ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ثم لا يستعدون له ، يعني كأنهم فيه شاكون . وقد قيل : إن اليقين هنا الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على أعدائك ، قاله ابن شجرة . والأول أصح ، وهو قول مجاهد وقتادة والحسن . والله أعلم . وقد روى جبير بن نفير عن أبي مسلم الخولاني أنه سمعه يقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين لكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) .
ولما أمره بعبادة خاصة ، أتبعه بالعامة فقال : { واعبد ربك } أي دم على عبادة المحسن إليك بهذا القرآن الذي هو البلاغ بالصلاة وغيرها { حتى يأتيك اليقين } بما يشرح صدرك من الموت أو ما يوعدون به من الساعة أو غيرها مما { يود الذين كفروا معه لو كانوا مسلمين } قال الرازي في اللوامع : وهذا دليل على أن شرف العبد في العبودية ، وأن العبادة لا تسقط عن العبد بحال ما دام حياً - انتهى . وقال البغوي : وهذا معنى ما في سورة مريم عليها السلام
{ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً }[ مريم :31 ] فقد انطبق آخر السورة - في الأمر باتخاذ القرآن بلاغاً لكل خير والإعراض عن الكفار - على أولها أتم انطباق ، واعتنق كل من الطرفين : الآخر والأول أي اعتناق - والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.