وفي ظل الرؤيا التي رآها الرسول [ ص ] واطلع فيها على ما اطلع من عوالم ، والشجرة الملعونة التي يطعم منها أتباع الشياطين . . يجيء مشهد إبليس الملعون ، يهدد ويتوعد بإغواء الضالين :
( وإذ قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم . فسجدوا إلا إبليس . قال : أأسجد لمن خلقت طينا ? قال : أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا . قال : اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا . واستفزز من استطعت منهم بصوتك ، وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ، وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم . وما يعدهم الشيطان إلا غرورا . إن عبادي ليس لك عليهم سلطان . وكفى بربك وكيلا ) . .
إن السياق يكشف عن الأسباب الأصيلة لضلال الضالين ، فيعرض هذا المشهد هنا ، ليحذر الناس وهم يطلعون على أسباب الغواية ، ويرون إبليس عدوهم وعدو أبيهم يتهددهم بها ، عن إصرار سابق قديم !
( وإذ قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال : أأسجد لمن خلقت طينا ? )
إنه حسد إبليس لآدم يجعله يذكر الطين ويغفل نفخة الله في هذا الطين !
قوله تعالى : " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم " تقدم ذكر كون الشيطان عدو الإنسان ، فانجر الكلام إلى ذكر آدم . والمعنى : اذكر بتمادي هؤلاء المشركين وعتوهم على ربهم قصة إبليس حين عصى ربه وأبى السجود ، وقال ما قال ، وهو ما أخبر الله تعالى في قوله تعالى : " فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا " أي من طين . وهذا استفهام إنكار . وقد تقدم القول في خلق آدم في " البقرة " و " الأنعام " {[10297]} مستوفى .
ولما تقدم أنهم استبعدوا الإعادة من أجل صيرورتهم بعد الموت رفاتاً ، وأخبر تعالى بقدرته على ذلك ولو صاروا إلى ما هو أعسر عندهم في الإعادة من الرفات بأن يكونوا حجارة أو حديداً ، وأشار إلى قدرته على التصرف بخرق العادة في الحديد بإلانته لعبد من عبيده ، ثم في الحجارة على سبيل الترقي في النشر المشوش بما هو أعجب من ذلك ، وهو إفاضة الحياة عليها لعبد آخر من عبيده ، أشار إلى تصرفه في التراب الذي هو نهاية الرفات الذي حملهم على الاستبعاد بما هو أعجب من كل ما تقدمه ، وذلك بإفاضة الحياة الكاملة بالنطق عليه من غير أن تسبق له حالة حياة أصلاً ، وذلك بخلق آدم عليه السلام الذي هو أصلهم ، مع ما في ذلك من حفظ السياق في التسلية بأن الآيات لا تنفع المحكوم بشقاوته وبأن آدم عليه السلام قد سلط عليه الحاسد واشتد أذاه له مع أنه صفي الله وأول أنبيائه ، مع البيان لأن أغلب أسباب الطغيان الحسد الذي حمل إبليس على ما فعل فقال تعالى : { إذ } أي واذكر أيضاً ما وقع من الطغيان مع رؤية الآيات في أول هذا الكون من إبليس الذي هو من أعلم الخلق بآيات الله وعظمته ، ثم ممن اتبعه من ذرية آدم عليه السلام بعد تحقق عداوته في مخالفة ربهم المحسن إليهم مع ادعاء ولايته إذ { قلنا } أي بما لنا من العظمة التي لا يعصي مرادها شيء { للملائكة } حين خلقنا أباكم آدم وفضلناه : { اسجدوا لآدم } امتثالاً لأمري { فسجدوا إلا إبليس } أبى أن يسجد لكونه ممن حقت عليه الكلمة ولم ينفعه ما يعلمه من قدرة الله وعظمته ، وذلك معنى قوله : { قال } أي لنا منكراً متكبراً : { ءأسجد } أي خضوعاً { لمن خلقت } حال كون أصله { طيناً * } فكفر بنسبته لنا إلى الجور وعدم الحكمة ، متخيلاً أنه أكرم من آدم عليه السلام من حيث إن الفروع ترجع إلى الأصول ، وأن النار التي هي أصله أكرم من الطين ، وذهب عليه إن الطين أنفع من النار فهو أكرم ، وعلى تقدير التنزل فإن الجواهر كلها من جنس واحد ، والله تعالى الذي أوجدها من العدم يفضل بعضها على بعض بما يحدث فيها من الأعراض ، كما تقدمت الإشارة إليه في{ ولقد فضلنا بعض النبيّن على بعض }[ الإسراء :55 ] .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.