واتجه موسى - عليه السلام - إلى ربه ، وقد يئس من فرعون وملئه أن يكون فيهم خير ، وأن تكون قد بقيت فيهم بقية ، وأن يرجى لهم صلاح . اتجه إليه يدعو على فرعون وملئه ، الذين يملكون المال والزينة ، تضعف إزاءهما قلوب الكثيرين ، فتنتهي إلى التهاوي أمام الجاه والمال ، وإلى الضلال . . اتجه موسى إلى ربه يدعوه أن يدمر هذه الأموال ، وأن يشد على قلوب أهلها فلا يؤمنوا إلا حيث لا ينفعهم إيمان . فاستجاب اللّه الدعاء :
( وقال موسى : ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا . ربنا ليضلوا عن سبيلك . ربنا اطمس على أموالهم ، واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم . قال : قد أجيبت دعوتكما ، فاستقيما ، ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون )
( ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ) . .
ينشأ عنها إضلال الناس عن سبيلك ، وإما بالإغراء الذي يحدثه مظهر النعمة في نفوس الآخرين . وإما بالقوة التي يمنحها المال لأصحابه فيجعلهم قادرين على إذلال الآخرين أو إغوائهم . ووجود النعمة في أيدي المفسدين لا شك يزعزع كثيراً من القلوب التي لا يبلغ من يقينها باللّه أن تدرك أن هذه النعمة ابتلاء واختبار ، وأنها كذلك ليست شيئاً ذا قيمة إلى جانب فضل اللّه في الدنيا والآخرة . وموسى يتحدث هنا عن الواقع المشهود في عامة الناس .
ويطلب لوقف هذا الإضلال ، ولتجريد القوة الباغية المضلة من وسائل البغي والإغراء ، أن يطمس اللّه على هذه الأموال بتدميرها والذهاب بها ، بحيث لا ينتفع بها أصحابها . أما دعاؤه بأن يشد اللّه على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ، فهو دعاء من يئس من صلاح هذه القلوب ، ومن أن يكون لها توبة أو إنابة . دعاء بأن يزيدها اللّه قسوة واستغلاقاً حتى يأتيهم العذاب ، وعندئذ لن يقبل منهم الإيمان ، لأن الإيمان عند حلول العذاب لا يقبل ، ولا يدل على توبة حقيقية باختيار الإنسان .
قوله تعالى : " وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه " " آتيت " أي أعطيت . " زينة وأموالا في الحياة الدنيا " أي مال الدنيا ، وكان لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن الذهب والفضة والزبرجد والزمرد والياقوت .
قوله تعالى : " ربنا ليضلوا عن سبيلك " اختلف في هذه اللام ، وأصح ما قيل فيها - وهو قول الخليل وسيبويه - أنها لام العاقبة والصيرورة ، وفي الخبر ( إن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب ) . أي لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال صار كأنه أعطاهم ليضلوا . وقيل : هي لام كي أي أعطيتهم لكي يضلوا ويبطروا ويتكبروا . وقيل : هي لام أجل ، أي أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك فلم يخافوا أن تعرض عنهم . وزعم قوم أن المعنى : أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا ، فحذفت لا كما قال عز وجل : ( يبين الله لكم أن تضلوا{[8559]} ) . والمعنى : لأن لا تضلوا . قال النحاس : ظاهر هذا الجواب حسن ، إلا أن العرب لا تحذف " لا " إلا مع أن ، فموه صاحب هذا الجواب بقوله عز وجل : " أن تضلوا " . وقيل : اللام للدعاء ، أي ابتلهم بالضلال عن سبيلك ؛ لأن بعده : " اطمس على أموالهم واشدد " . وقيل : الفعل معنى المصدر أي إضلالهم كقوله عز وجل " لتعرضوا عنهم " قرأ الكوفيون : " ليضلوا " بضم الياء من الإضلال ، وفتحها الباقون .
قوله تعالى : " ربنا اطمس على أموالهم " أي عاقبهم عل كفرهم بإهلاك أموالهم . قال الزجاج : طمس الشيء إذهابه عن صورته . قال ابن عباس ومحمد بن كعب : صارت أموالهم ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأثلاثا وأنصافا ، ولم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد . وقال قتادة : بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة . وقال مجاهد وعطية : أهلكها حتى لا ترى ، يقال : عين مطموسة ، وطمس الموضع إذا عفا ودرس . وقال ابن زيد : صارت دنانيرهم ودراهمهم وفرشهم وكل شيء لهم حجارة . محمد بن كعب : وكان الرجل منهم يكون مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين ؛ قال : وسألني عمر بن عبدالعزيز فذكرت ذلك له فدعا بخريطة{[8560]} أصيبت بمصر فأخرج منها الفواكه والدراهم والدنانير وإنها لحجارة . وقال السدي : وكانت إحدى الآيات التسع . " واشدد على قلوبهم " قال ابن عباس : أي امنعهم الإيمان . وقيل : قسها واطبع عليها حتى لا تنشرح للإيمان ، والمعنى واحد . " قلا يؤمنوا " قيل : هو عطف على قوله : " ليضلوا " أي آتيتهم النعم ليضلوا ولا يؤمنوا . قاله الزجاج والمبرد . وعلى هذا لا يكون فيه من معنى الدعاء شيء . وقوله : ( ربنا اطمس ، واشدد ) كلام معترض . وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة : هو دعاء ، فهو في موضع جزم عندهم ، أي اللهم فلا يؤمنوا ، أي فلا آمنوا . ومنه قول الأعشى :
فلا ينبسط من بين عينيك ما انْزَوَى *** ولا تلقني إلا وأنفُكَ رَاغِمُ
أي لا انبسط . ومن قال " ليضلوا " دعاء - أي ابتلهم بالضلال - قال : عطف عليه " فلا يؤمنوا " . وقيل : هو في موضع نصب لأنه جواب الأمر ؛ أي واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا . وهذا قول الأخفش والفراء أيضا ، وأنشد الفراء :
يا ناقُ سيري عنقا فسيحا *** إلى سليمان فنستريحا
فعلى هذا حذفت النون لأنه منصوب . " حتى يروا العذاب الأليم " قال ابن عباس : هو الغرق . وقد استشكل بعض الناس هذه الآية فقال : كيف دعا عليهم وحكم الرسل استدعاء إيمان قومهم ، فالجواب أنه لا يجوز أن يدعو نبي على قومه إلا بإذن من الله ، وإعلام أنه ليس فيهم من يؤمن ولا يخرج من أصلابهم من يؤمن ، دليله قوله لنوح عليه السلام : " إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن{[8561]} " [ هود : 36 ] وعند ذلك قال : " رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا{[8562]} " الآية{[8563]} [ نوح : 26 ] . والله أعلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.