في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ} (85)

85

( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ، وإن الساعة لآتية . فاصفح الصفح الجميل إن ربك هو الخلاق العليم ) . .

إن هذا التعقيب بتقرير الحق الذي تقوم به السماوات والأرض ، والذي به كان خلقهما وما بينهما ، لتعقيب عظيم الدلالة ، عميق المعنى ، عجيب التعبير . فماذا يشير إليه هذا القول : ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق )? إنه يوحي بأن الحق عميق في تصميم هذا الوجود : عميق في تكوينه . عميق في تدبيره . عميق في مصير هذا الوجود وما فيه ومن فيه .

عميق في تصميم هذا الوجود . فهو لم يخلق عبثا ، ولم يكن جزافا ، ولم يتلبس بتصميمه الأصيل خداع ولا زيف ولا باطل . والباطل طاريء عليه ليس عنصرا من عناصر تصميمه .

عميق في تكوينه . فقوامه من العناصر التي يتألف منها حق لا وهم ولا خداع . والنواميس التي تحكم هذه العناصر وتؤلف بينها حق لا يتزعزع ولا يضطرب ولا يتبدل . ولا يتلبس به هوى أو خلل أو اختلاف .

عميق في تدبيره . فبالحق يدبر ويصرف ، وفق تلك النواميس الصحيحة العادلة التي لا تتبع هوى ولا نزوة ، إنما تتبع الحق والعدل .

عميق في مصيره . فكل نتيجة تتم وفق تلك النواميس الثابتة العادلة ؛ وكل تغيير يقع في السماوات والأرض وما بينهما يتم بالحق وللحق . وكل جزاء يترتب يتبع الحق الذي لا يحابي .

ومن هنا يتصل الحق الذي خلق الله به السماوات والأرض وما بينهما ، بالساعة الآتية لا ريب فيها . فهي آتية لا تتخلف . وهي جزء من الحق الذي قام به الوجود . فهي في ذاتها حقيقة ، وقد جاءت لتحق الحق .

( فاصفح الصفح الجميل ) . .

ولا تشغل قلبك بالحنق والحقد ، فالحق لا بد أن يحق :

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ} (85)

قوله تعالى : " وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق " أي للزوال والفناء . وقيل : أي لأجازي المحسن والمسيء ، كما قال : " ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزى الذين أساؤوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى{[9740]} " [ النجم : 31 ] . " وإن الساعة لآتية " أي لكائنة فيجزى كل بعمله . " فاصفح الصفح الجميل " مثل " واهجرهم هجرا جميلا{[9741]} " [ المزمل : 10 ] أي تجاوز عنهم يا محمد ، واعفو عفوا حسنا ، ثم نسخ بالسيف . قال قتادة : نسخه قوله : " فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم{[9742]} " [ النساء : 91 ] . وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم : ( لقد جئتكم بالذبح وبعثت بالحصاد{[9743]} ولم أبعث بالزراعة ) ، قاله عكرمة ومجاهد . وقيل : ليس بمنسوخ ، وأنه أمر بالصفح في حق نفسه فيما بينه وبينهم . والصفح : الإعراض ، عن الحسن وغيره .


[9740]:راجع ج 17 ص 105.
[9741]:راجع ج 19 ص 44.
[9742]:راجع ج 5 ص 310.
[9743]:كذا في الأصول وتفسير الطبري. وفي كتاب الجامع الصغير: "بالجهاد".