وقبل أن يعلن السياق جواب استخذائهم الذليل ، يقرر الحقيقة التي تتحكم في الموقف كله ؛ وتتحكم قبل ذلك في حياة الناس ومصائرهم :
( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها . ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) . .
ولو شاء الله لجعل لجميع النفوس طريقا واحدا . هو طريق الهدى ، كما وحد طريق المخلوقات التي تهتدي بإلهام كامن في فطرتها ، وتسلك طريقة واحدة في حياتها من الحشرات والطير والدواب ؛ أو الخلائق التي لا تعرف إلا الطاعات كالملائكة . لكن إرادة الله اقتضت أن يكون لهذا الخلق المسمى بالإنسان طبيعة خاصة ، يملك معها الهدى والضلال ؛ ويختار الهداية أو يحيد عنها ؛ ويؤدي دوره في هذا الكون بهذه الطبيعة الخاصة ، التي فطره الله عليها لغرض ولحكمة في تصميم هذا الوجود . ومن ثم كتب الله في قدره أن يملأ جهنم من الجنة ومن الناس الذين يختارون الضلالة ، ويسلكون الطريق المؤدي إلى جهنم .
قوله جل ذكره : { وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } .
لو شئنا لَسَهَّلنا سبيلَ الاستدلال ، وأدَمْنا التوفيقَ لكلِّ أحدٍ ، ولكن تَعَلَّقَتْ المشيئةُ بإغواءِ قومٍ ، كما تعلَّقت بإدناءِ قوم ، وأردنا أن يكونَ للنار قُطَّان ، كما أردنا أن يكون للجَنَّةِ سُكان ، ولأَنَّا عَلِمْنا يومَ خَلَقْنا الجنَّةَ أنه يسكنها قوم ، ويوم خلقنا النارَ أنه ينزلها قومٌ ، فَمِنَ المُحَالِ أن نُرِيدَ ألا يقعَ معلومُنا ، ولو لم يحصل لم يكن عِلْماً ، ولو لم يكن ذلك عِلْماً لم يكن إلهاً . . ومن المحال أن نريد ألا نكونَ إلهاً .
ويقال : مَنْ لم يتسلَّطْ عليه من يحبه لم يجْرِ في مُلْكِه ما يكرهه .
ويقال : يا مسكين أفنيتَ عُمْرَكَ في الكَدِّ والعناء ، وأمضيتَ أيامَك في الجهد والرجاء ، غيَّرت صفتك ، وأكثرتَ مجاهدتك . . فما تفعل في قضائي كيف تُبَدلِّه ؟ وما تصنع في مشيئتي بأيِّ وسعٍ ترُدُّها ؟ وفي معناه أنشدوا :
وكل هذا بقضاء اللّه وقدره ، حيث خلى بينهم وبين الكفر والمعاصي ، فلهذا قال : { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } أي : لهدينا الناس كلهم ، وجمعناهم على الهدى ، فمشيئتنا صالحة لذلك ، ولكن الحكمة ، تأبى أن يكونوا كلهم على الهدى ، ولهذا قال : { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي } أي : وجب ، وثبت ثبوتًا لا تغير فيه .
{ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } فهذا الوعد ، لا بد منه ، ولا محيد عنه ، فلا بد من تقرير أسبابه من الكفر والمعاصي .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.