وإشارة كذلك إلى مصرع عاد وثمود :
( وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم ؛ وزين لهم الشيطان أعمالهم ، فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين ) . .
وعاد كانت تسكن بالأحقاف في جنوب الجزيرة بالقرب من حضرموت ، وثمود كانت تسكن بالحجر في شمال الجزيرة بالقرب من وادي القرى . وقد هلكت عاد بريح صرصر عاتية ، وهلكت ثمود بالصيحة المزلزلة . وبقيت مساكنها معروفة للعرب يمرون عليها في رحلتي الشتاء والصيف ، ويشهدون آثار التدمير ، بعد العز والتمكين .
وهذه الإشارة المجملة تكشف عن سر ضلالهم ، وهو سر ضلال الآخرين .
( وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين ) .
فقد كانت لهم عقول ، وكانت أمامهم دلائل الهدى ؛ ولكن الشيطان استهواهم وزين لهم أعمالهم . وأتاهم من هذه الثغرة المكشوفة ، وهي غرورهم بأنفسهم ، وإعجابهم بما يأتونه من الأعمال ، وانخداعهم بما هم فيه من قوة ومال ومتاع . ( فصدهم عن السبيل )سبيل الدى الواحد المؤدي إلى الإيمان . وضيع عليهم الفرصة ( وكانوا مستبصرين )يملكون التبصر ، وفيهم مدارك ولهم عقول .
من مساكنهم : كانت قبيلة عاد تسكن الأحقاف ، قرب اليمن ، وثمود تسكن الحجر ، قرب واد القرى ، [ بين الحجاز والشام ] .
السبيل : سبيل الحق الذي بينه الرسل لهم .
مستبصرين : عقلاء ذوي بصائر ، ولكنها لم تنفعهم .
38-{ وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين }
أي : وأهلكنا عادا قوم هود عليه السلام ، الذين كانوا يسكنون بالأحقاف قرب حضر موت ، وقد حدثت حفريات حديثة قرب منطقة صلالة ، في سلطنة عمان ، وشاهد الناس قرى مغمورة غمرتها الرياح ، وكشفت الحفريات عن مبان بائدة ، يرجح أنها لقبيلة عاد ، حيث وجدت مبان ضخمة لها أعمدة صلبة ، ونشرت الصحف والمجلات نبأ هذا الكشف ، وأشارت إلى قوله تعالى :
{ ألم تر كيف فعل ربك بعاد*إرم ذات العماد*التي لم يخلق مثلها في البلاد } [ الفجر : 6-8 ] .
وقد تحدث القرآن في كثيرة من السور عن قبيلة عاد ، وتفوقهم واعتزازهم بقوتهم ، وغرورهم واستكبارهم ، وظنهم أن أحد –أي أحد- لن يقدر عليهم .
{ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون*فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون } [ فصلت : 15 ، 16 ] .
كما تحدثت سورة الحاقة عن قصة ثمود وعاد ، فقالت :
{ كذبت ثمود وعاد بالقارعة*فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية*وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية*سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية*فهل ترى لهم من باقية } [ الحاقة : 4-8 ] .
أهلك الله ثمود قوم صالح ، وكانوا يسكنون الحجر قريبا من وادي القرى بين الحجارة والشام ، ومدائن صالح ظاهرة إلى اليوم ، وكانت العرب تعرف مساكنهم جيدا ، وتمرّ عليهم كثيرا .
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم مساكن صالح ، حين مرّ بها في غزوة تبوك ، فأسرع واستحث راحلته ، وانحنى على ظهرها ، إشفاقا ووجلا واعتبارا بهلاكهم ، وقال لأصحابه ، ( لا تمروا على قرى القوم الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم مشفقون ، خشية أن يصيبكم ما أصابهم )15 .
{ وقد تبين لكم من مساكنهم . . }
أي : أنتم يا أهل مكة تمرّون على ديارهم ، وتشاهدون كيف أهلكهم الله ، فاعتبروا واتعظوا ، خشية أن يصيبكم ما أصابهم .
{ وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين }
لقد كانوا في نعمة وغنى وقوة جسدية ومعنوية ، مع عقل وبصيرة وفهم ، لكن الشيطان أغراهم بالفجور والكفر والعدوان ، وزين لهم الانحراف عن الطريق القويم ، وسبيل الهداية والإيمان ، قال تعالى :
{ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون*ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } [ فصلت : 17 ، 18 ] .
{ وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ( 38 ) }
وأهلكنا عادًا وثمود ، وقد تبين لكم من مساكنهم خَرابُها وخلاؤها منهم ، وحلول نقمتنا بهم جميعًا ، وحسَّن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة ، فصدَّهم عن سبيل الله وعن طريق الإيمان به وبرسله ، وكانوا مستبصرين في كفرهم وضلالهم ، معجبين به ، يحسبون أنهم على هدى وصواب ، بينما هم في الضلال غارقون .
قوله تعالى : { فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين*وعاداً وثمودا } أي : وأهلكنا عاداً وثموداً ، { وقد تبين لكم } يا أهل مكة ، { من مساكنهم } منازلهم بالحجر واليمن ، { وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل } عن سبيل الحق { وكانوا مستبصرين } قال مقاتل ، والكلبي ، وقتادة : كانوا معجبين في دينهم وضلالتهم ، يحسبون أنهم على هدى ، وهم على الباطل ، والمعنى : أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين . قال الفراء : كانوا عقلاء ذوي بصائر .
قوله تعالى : { وَعَادًا وَثَمُودَا وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِِِِرِينَ } .
{ عَادًا وَثَمُودَا } ، منصوب من ثلاثة أوجه . الأول : أن يكون معطوفا على الهاء والميم في قوله : { فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } .
الثاني : أن يكون منصوبا بالعطف على { الذين } في قوله : { ولقد فتناّ الذين من قبلهم } .
الثالث : أن يكون منصوبا بفعل مقدر ، وتقديره : وأهلكنا عادا وثمود{[3563]} وقيل : بفعل تقديره اذكر . فيكون المعنى : واذكروا قوم عاد وقوم ثمود ؛ إذ أرسلنا إليهم هودا وصالحا فكذبوهما فأهلكنا عادا بالريح ، وأهلكنا ثمود بالصيحة { وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ } أي تبين لكم من خراب مساكنكم وخوائها منهم ، ما أنزلناه بساحتهم من الهلاك .
قوله : { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } أي سوّل لهم الشيطان بوساوسه الخفية الشريرة كفرهم بالله وتكذيبهم لرسله { فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ } أي أضلهم وردهم عن طريق الله ومنهجه القويم الحكيم ، بتزيينه لهم الكفر والباطل .
قوله : { وَكَانُوا مُسْتَبْصِِِِرِينَ } أي كانوا عقلاء متمكنين من النظر والتفكير . أو كانوا يعرفون الحق من الباطل لوقوفهم على الأدلة والبراهين لكنهم لجوا في الضلالة والتمرد{[3564]} .