( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) . .
هكذا في لحظة . والخيال يتبع حركة القدوم المجسمة المتخيلة - على طريقة القرآن في التجسيم والتخييل - وعملية الإثارة للأعمال ، والتذرية في الهواء ؛ فإذا كل ما عملوا في الدنيا من عمل صالح هباء . ذلك أنه لم يقم على الإيمان ، الذي يصل القلب بالله ، والذي يجعل العمل الصالح منهجا مرسوما وأصلا قاصدا ، لا خبط عشواء ، ولا نزوة طارئة ، ولا حركة مبتورة لا قصد لها ولا غاية . فلا قيمة لعمل مفرد لا يتصل بمنهج ، ولا فائدة لحركة مفردة ليست حلقة من سلسلة ذات هدف معلوم .
إن وجود الإنسان وحياته وعمله في نظرة الإسلام موصولة كلها بأصل هذا الكون ، وبالناموس الذي يحكمه ، والذي يصله كله بالله . بما فيه الإنسان وما يصدر عنه من نشاط . فإذا انفصل الإنسان بحياته عن المحور الرئيسي الذي يربطه ويربط الكون ، فإنه يصبح لقي ضائعا لا وزن له ولا قيمة ، ولا تقدير لعمله ولا حساب . بل لا وجود لهذا العمل ولا بقاء .
والإيمان هو الذي يصل الإنسان بربه ؛ فيجعل لعمله قيمة ووزنا ، ويجعل له مكانه في حساب هذا الكون وبنائه .
وهكذا تعدم أعمال أولئك المشركين . تعدم إعداما يصوره التعبير القرآني تلك الصورة الحسية المتخيلة :
هذه آفة الكفار ؛ ضاع سعيُهم وخاب جُهْدُهم ، وضاع عمرُهم وخَسِرَتْ صفقتُهم وانقطع رجاؤهم { وَبَدَا لَهُمُ مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } [ الزمر :47 ] ،
{ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعَاً } [ الكهف :104 ] .
وأما أصحاب الحقائق وأرباب التوحيد فيلوح لقلوبهم من سماع هذه الآية ما يحصل به كمال رَوْحِهم ، وتتأدَّى إلى قلوبِهم من الراحات ما يضيق عن وصفه شرحهُم ، ويتقاصر عن ثنائه نُطْقُهم ، حيث يسمعون قوله : { وَقَدِمْنَا إِلَى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } ولقد ظهرت قيمة أعمالهم حيث قال الحقُّ لأجله { وَقَّدِمْنَا إلى . . . } فَهُم إذا سمعوا وَجَبَ لهم من الأريحية ما يشغلهم عن الاهتمام لقوله : { فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } ويقولون : يا ليت لنا أعمال أهل الدارين ثم لا تُقْبَلُ منها ذرةٌ وهو يقول بسببها : { وَقَدِمْنَآ إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ . . . } ! لأنهم إذا تخلصوا من مواضع الخلل وموجبات الخجل من أعمالهم عدُّواً ذلك من أجلِّ ما ينالون من الإحسان إليهم ، وفي معناه أنشدوا :
سأرجع من حجِّ عامِيَ مُخْجِلاً *** لأنَّ الذي قد كان لا يُتَقَبَّلُ
الهباء : دقاق التراب إذا انبث في الهواء ، ولا يبدو إلا في أثناء ضوء الشمس .
المنثور : المتفرق في الجو ، بحيث لا يتأتى جمعه أو حصره .
23- { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } .
كان المشركون يعملون أعمالا حسنة المظهر ، مثل صلة الرحم وإطعام الفقراء ، لكن لا أساس لها من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فهي أشبه بخضراء الدمن . وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء . وفي يوم القيامة يجدون جزاء هذه الأعمال ضائعا ، ضياع ذرّات التراب ، المنتشرة بسبب شعاع الشمس ، أو ضياع الوقش الجاف في شدة الرياح .
قال تعالى : { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . . } [ إبراهيم : 18 ]
قال قتادة : { هباء منثورا } . يبس الشجر إذا ذرته الريح ، فهو ذلك الورق .
وقال عبيد بن يعلى : الهباء : الرماد إذا ذرته الريح .
وحاصل هذه الأقوال : التنبيه على مضمون الآية ، وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها على شيء . فلما عرضت على الملك الحكم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا ، إذا بها لا شيء بالكلية ، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق ، الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية .
كما قال تعالى : { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . . } [ إبراهيم : 18 ]
{ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ( 23 ) }
وقَدِمْنا إلى ما عملوه مِن مظاهر الخير والبر ، فجعلناه باطلا مضمحلا لا ينفعهم كالهباء المنثور ، وهو ما يُرى في ضوء الشمس من خفيف الغبار ؛ وذلك أن العمل لا ينفع في الآخرة إلا إذا توفر في صاحبه : الإيمان بالله ، والإخلاص له ، والمتابعة لرسوله محمد ، صلى الله عليه وسلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.