في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ} (41)

28

ويختم إبراهيم دعاءه الضارع الخاشع بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين جميعا ، يوم يقوم الحساب ، فلا ينفع إنسانا إلا عمله ؛ ثم مغفرة الله في تقصيره :

( ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) . .

وينتهي المشهد الطويل : مشهد الدعاء الخاشع الضارع . ومشهد تعداد النعم والشكر عليها . . في إيقاع موسيقي متموج رخي . . ينتهي بعد أن يخلع على الموقف كله ظلا وديعا لطيفا ، تهفو القلوب معه إلى جوار الله ، وتذكر القلوب فيه نعم الله . ويرتسم إبراهيم أبو الأنبياء نموذجا للعبد الصالح الذاكر الشاكر ، كما ينبغي أن يكون عباد الله ، الذين وجه الحديث إليهم قبيل هذا الدعاء . .

ولا يفوتنا أن نلمح تكرار إبراهيم - عليه السلام - في كل فقرة من فقرات دعائه الخاشع المنيب لكلمة : ( ربنا )أو " رب " . فإن لهجان لسانه بذكر ربوبية الله له ولبنيه من بعده ذات مغزى . . إنه لا يذكر الله - سبحانه - بصفة الألوهية ، إنما يذكره بصفة الربوبية . فالألوهية قلما كانت موضع جدال في معظم الجاهليات - وبخاصة في الجاهلية العربية - إنما الذي كان دائما موضع جدل هو قضية الربوبية . قضية الدينونة في واقع الحياة الأرضية . وهي القضية العملية الواقعية المؤثرة في حياة الإنسان . والتي هي مفرق الطريق بين الإسلام والجاهلية وبين التوحيد والشرك في عالم الواقع . . فإما أن يدين الناس لله فيكون ربهم وإما أن يدينوا لغير الله فيكون غيره ربهم . . وهذا هو مفرق الطريق بين التوحيد والشرك وبين الإسلام والجاهلية في واقع الحياة . والقرآن وهو يعرض على مشركي العرب دعاء أبيهم إبراهيم والتركيز فيه على قضية الربوبية كان يلفتهم إلى ما هم فيه من مخالفة واضحة لمدلول هذا الدعاء !

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ} (41)

ثم قال : { رَبَّنَا اغْفِرْ لي ولوالدي } وهذا قيل أن يعلم أنه لا يُؤْمِن .

ويقال إن إجابة الدعاءِ ابتداءُ فضلِ منه ، ولا ينبغي للعبد أن يَتَّكِلَ على دُعاءِ أحد وإن كانْ عَلِيَّ الشأن ، بل يجب أن يعلق العبد قلبه بالله ؛ فلا دعاءَ أتمُّ منْ دعاءِ إبراهيم عليه السلام ، ولا عنايةَ أتمُّ من عنايته بشأن أبيه ، ثم لم ينفعه ولا شفع الله له .

ويقال لا ينبغي للعبد أن يترك دعاءه أو يقطعَ رجاءَه في ألا يستجيبَ الله دعاءَه ، فإن إبراهيمَ الخليلَ عليه السلام دعا لأبويه فلم يُسْتَجَبْ له ، ثم إنه لم يترك الدعاء ، وسأل حينما لم يُجَبْ فيه . فلا غضاضةَ على العبد ولا تناله مَذَلَّةٌ إِنْ لم يُجِبْهُ مولاه في شيء ؛ فإِنَّ الدعاءَ عبادةٌ لا بدَّ للعبد من فِعْلها ، والإجابةُ من الحقِّ فضل ، وله أن يفعل وله ألا يفعل .