أخذهم في اليوم العصيب الذي تشخص فيه الأبصار من الفزع والهلع ، فتظل مفتوحة مبهوتة مذهولة ، مأخوذة بالهول لا تطرف ولا تتحرك . ثم يرسم مشهدا للقوم في زحمة الهول . . مشهدهم مسرعين لا يلوون على شيء ، ولا يلتفتون إلى شيء . رافعين رؤوسهم لا عن إرادة ولكنها مشدودة لا يملكون لها حراكا . يمتد بصرهم إلى ما يشاهدون من الرعب فلا يطرف ولا يرتد إليهم . وقلوبهم من الفزع خاوية خالية لا تضم شيئا يعونه أو يحفظونه أو يتذكرونه ، فهي هواء خواء . .
هذا هو اليوم الذي يؤخرهم الله إليه . حيث يقفون هذا الموقف ، ويعانون هذا الرعب . الذي يرتسم من خلال المقاطع الأربعة مذهلا آخذا بهم كالطائر الصغير في مخالب الباشق الرعيب :
( إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم ، لا يرتد إليهم طرفهم ، وأفئدتهم هواء ) . .
فالسرعة المهرولة المدفوعة ، في الهيئة الشاخصة المكرهة المشدودة ، مع القلب المفزع الطائر الخاوي من كل وعي ومن كل إدراك . . كلها تشي بالهول الذي تشخص فيه الأبصار .
هذا وعيدٌ للظالمين وتسلية للمظلومين ؛ فالمظلوم إذا تحقَّق بأنه - سبحانه - عالِمٌ بما يلاقيه من البلاء هانت على قلبه مقاساته ، وحق عليه تحمله .
والظلم على وجوه ؛ ظلم على النَّفْس بوضع الزَّلَّةِ مكان الطاعة ، وظلم على القلب بتمكين الخواطر الردية منه ، وظلم على الروح بجعلها لمحبة المخلوقين .
ويقال من جملة الظالمين الشيطانُ ، فالعبدُ المؤمِنُ مظلوم من جهته ، والحقُّ- سبحانه- ينتصف له منه غداً ، وذلك إنْ لم يَتَّبِعْهُ اليومَ ، وَدَفَعَه عن نفسه بالمجاهدة وترك وساوسه .
قوله جلّ ذكره : { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى . . . } .
وهذا للعوام من المؤمنين ، علَّق قلوبهم بالانتقام منهم في المستأنف ، وأمَّا الخواص فإذ علموا أنه - سبحانه - عالِمٌ بهم وبحالهم فإنهم يعفون ويكتفون بذلك ، وأَمَّا خواص الخواص فإذ علموا أنهم عبيده فإنهم لا يرضون بالعفو عن ظُلْمِهم حتى يستغفرَ لهم ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ، وفي معناه أنشدوا :
وما رضوا بالعفو عن ذي زلة *** حتى أنالوا كفَّه وازدادوا
وأمَّا أصحاب التوحيد فإذا عَلِمُوا أنه المنشئُ ، وألا مخترعَ سواه فليس بينهم وبين أحدٍ محاسبة ، ولا مَعَ أحدٍ مُعَاتَبَة ، ولا منه مطالبة ، لأنهم يَعُدُّون إثباتَ الغيرِ في الظن والحسبان شِرْكاً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.