ثم نعيش في ظلال النصوص القرآنية التي تضمنت تلك الأحداث :
( وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ، ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون ) . .
فهم يفعلون الفعلة ، ويطلقون القولة . فإذا عرفوا أنها بلغت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] جبنوا وتخاذلوا وراحوا يقسمون بالأيمان يتخذونها جنة . فإذا قال لهم قائل : تعالوا يستغفر لكم رسول الله ، وهم في أمن من مواجهته ، لووا رؤوسهم ترفعا واستكبارا ! وهذه وتلك سمتان متلازمتان في النفس المنافقة . وإن كان هذا التصرف يجيء عادة ممن لهم مركز في قومهم ومقام . ولكنهم هم في ذوات أنفسهم أضعف من المواجهة ؛ فهم يستكبرون ويصدون ويلوون رؤوسهم ما داموا في أمان من المواجهة . حتى إذا ووجهوا كان الجبن والتخاذل والأيمان !
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ( 5 ) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( 6 ) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ( 7 ) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ( 8 ) }
لوّوا رؤوسهم : حوّلوها استهزاء .
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } .
كان عبد الله بن أبي بن سلول كبيرا للمنافقين ، حريصا على الإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولما تكلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلاما سيئا ، ووصى ابن سلول أتباعه ألا ينفقوا على فقراء المهاجرين ، حتى ينصرفوا عن محمد صلى الله عليه وسلم ، بلغ هذا الكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستدعى عبد الله بن أُبي ، فأقسم كذبا أنه ما قال ذلك .
ثم فضح الله المنافقين بنزول وحي السماء ، في صدر سورة المنافقين ، وكان للمنافقين أقارب وأهل من المؤمنين ، فقالوا لهم : لقد فضحكم الوحي ، فاذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لكم ، وتوبوا إلى الله ، وعودوا إلى صفوف الإيمان ، فتكبّر المنافقون وأمالوا رؤوسهم كبرا واستنكافا أن يذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعرضوا عن الهداية استكبارا وانصرافا عن الهدى .
روي أن الأنصار قالوا لعبد الله بن أُبي بن سلول : لقد نزلت فيك آي شداد ، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك ، فلوى رأسه ، ثم قال : أمرتموني أن أؤمن فآمنت ، وأمرتموني أن أزكي فزكيت ، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد ، فنزلت : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ . . . }
وإذا قيل للمنافقين مثل عبد الله بن أُبي ، والجدّ بن قيس ، ومعتب بن قشير : تعالوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب من الله المغفرة لكم ، والتوبة عليكم ، وهدايتكم إلى نور الإيمان والإخلاص له ، أمالوا رؤوسهم كبرا وتيها ، وشاهدتهم يعرضون عن السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حال كوهم مستكبرين عن الاستهداء بهدي الإسلام .
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُءوسَهُمْ } أي عطفوها وهو كناية عن التكبر والإعراض على ما قيل ؛ وقيل : هو على حقيقته أي حركوها استهزاءاً ، وأخرجه ابن المنذر عن ابن جريج { وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ } يعرضون عن القائل أو عن الاستغفار { وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } عن ذلك .
روي أنه لما صدق الله تعالى زيد بن أرقم فيما أخبر به عن ابن أبي مقت الناس ابن أبي ولامه المؤمنون من قومه ، وقال بعضهم له : امض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعترف بذنبك يستغفر لك فلوى رأسه إنكاراً لهذا الرأي ، وقال لهم : لقد أشرتم علي بالإيمان فآمنت ، وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي ففعلت ، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وفي حديث أخرجه عبد بن حميد . وابن أبي حاتم عن ابن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : " تب " فجعل يلوي رأسه فأنزل الله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } الخ ، وفي حديث أخرجه الإمام أحمد . والشيخان . والترمذي . والنسائي . وغيرهم عن زيد بعد نقل القصة إلى أن قال : حتى أنزل الله تعالى تصديقي في { إِذَا جَاءكَ المنافقون } [ المنافقون : 1 ] ما نصه فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم ، فجمع الضمائر : إما على ظاهره ، وإما من باب بنو تميم قتلوا فلاناً ، وإذاً على ما مر ، و { يَسْتَغْفِرِ } مجزوم في جواب الأمر ، و { رَسُولِ الله } فاعل له ، والكلام على ما في «البحر » من باب الأعمال لأن { رَسُولِ الله } يطلبه عاملان : { يَسْتَغْفِرِ } و { تَعَالَوْاْ } فأعمل الثاني على المختار عند أهل البصرة ولو أعمل الأول لكان التركيب تعالوا يستغفر لكم إلى رسول الله ، وجملة { يَصِدُّونَ } في موضع الحال ، وأتت بالمضارع ليدل على الاستمرار التجددي ، ومثلها في الحالية جملة { هُمْ مُّسْتَكْبِرُونَ } ؛ وقرأ مجاهد . ونافع . وأهل المدينة . وأبو حيوة . وابن أبي عبلة . والمفضل . وأبان عن عاصم . والحسن . ويعقوب بخلاف عنهما { لَوَّوْاْ } بتخفيف الواو ، والتشديد في قرارة باقي السبعة للتكثير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.