في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (1)

مقدمة السورة:

سورة التغابن مدنية وآياتها ثماني عشرة

هذه السورة أشبه شيء بالسور المكية في موضوعها وفي سياقها وفي ظلالها وإيحاءاتها ، وبخاصة المقاطع الأولى منها . فلا يكاد الجو المدني يتبين إلا في فقراتها الأخيرة .

والفقرات الأولى إلى ابتداء النداء : يا أيها الذين آمنوا . . تستهدف بناء أسس العقيدة ، وإنشاء التصور الإسلامي في القلوب بأسلوب السور المكية التي تواجه الكفار المشركين ابتداء ، وتخاطبهم بهذا التصور خطاب المبتدئ في مواجهته . ثم هي تستخدم المؤثرات الكونية والنفسية كما تستعرض مصائر الغابرين من المكذبين قبلهم ؛ وتعرض عليهم مشاهد القيامة لإثبات البعث ، وتوكيده توكيدا شديدا ، يدل على أن المخاطبين به من المنكرين الجاحدين .

فأما الفقرات الأخيرة فهي تخاطب الذين آمنوا بما يشبه خطابهم في السور المدنية ، لحثهم على الإنفاق ، وتحذرهم فتنة الأموال والأولاد . وهي الدعوة التي تكررت نظائرها في العهد المدني بسبب مقتضيات الحياة الإسلامية الناشئة فيها . كما أن فيها ما قد يكون تعزية عن مصاب أو تكاليف وقعت على عاتق المؤمنين ، ورد الأمر فيها إلى قدر الله ، وتثبيت هذا التصور . . وهو ما يتكرر في السور المدنية وبخاصة بعد الأمر بالجهاد وما ينشأ عنه من تضحيات .

ولقد وردت روايات أن السورة مكية ، ووردت روايات أخرى أنها مدنية مع ترجيحها . وكدت أميل إلى اعتبارها مكية تأثرا بأسلوب الفقرات الأولى فيها وجوها . ولكني أبقيت اعتبارها مدنية - مع الرأي الراجح فيها - لأنه ليس ما يمنع أن تكون الفقرات الأولى فيها خطابا للكفار بعد الهجرة سواء كانوا كفار مكة أم الكفار القريبين من المدينة . كما أنه ليس ما يمنع أن يستهدف القرآن المدني في بعض الأحيان جلاء أسس العقيدة ، وإيضاح التصور الإسلامي ، بهذا الأسلوب الغالب على أسلوب القرآن المكي . . والله أعلم . .

والمقطع الأول في السورة يستهدف بناء التصور الإيماني الكوني ، وعرض حقيقة الصلة بين الخالق - سبحانه - وهذا الكون الذي خلقه . وتقرير حقيقة بعض صفات الله وأسمائه الحسنى وأثرها في الكون وفي الحياة الإنسانية :

( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير . هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير . خلق السماوات والأرض بالحق ، وصوركم فأحسن صوركم ، وإليه المصير . يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون . والله عليم بذات الصدور ) . .

وهذا التصور الكوني الإيماني هو أدق وأوسع تصور عرفه المؤمنون في تاريخ العقيدة . ولقد جاءت الرسالاتالإلهية كلها بوحدانية الله ، وإنشائه لهذا الوجود ولكل مخلوق ، ورعايته لكل كائن في الوجود . . لا نشك في هذا لأن القرآن يحكيه عن الرسل وعن الرسالات كلها . ولا عبرة بما نجده في الكتب المفتراة والمحرفة ؛ أو فيما يكتبه عن الديانات المقارنة أناس لا يؤمنون بالقرآن كله أو بعضه . إنما جاء الانحراف عن العقيدة الإيمانية من أتباعها ، فبدا أنها لم تأت بالتوحيد الخالص ، أو لم تأت بهيمنة الله واتصاله بكل كائن . فهذا من التحريف الطارئ لا من أصل الديانة . فدين الله واحد منذ أولى الرسالات إلى خاتمة الرسالات . ويستحيل أن ينزل الله دينا يخالف هذه القواعد ، كما يزعم الزاعمون بناء على ما يجدونه في كتب مفتراة أو محرفة باسم الدين !

ولكن تقرير هذه الحقيقة لا ينافي أن التصور الإسلامي عن الذات الإلهية ، وصفاتها العلوية ، وآثار هذه الصفات في الكون وفي الحياة الإنسانية . . أن هذا التصور أوسع وأدق وأكمل من كل تصور سابق في الديانات الإلهية . . وهذا متفق مع طبيعة الرسالة ومهمتها الأخيرة . ومع الرشد البشري الذي جاءت هذه الرسالة لتخاطبه وتوجهه ؛ وتنشئ فيه هذا التصور الشامل الكامل بكل مقتضياته وفروعه وآثاره .

ومن شأن هذا التصور أن يدرك القلب البشري - بمقدار ما يطيق - حقيقة الألوهية وعظمتها ، ويشعر بالقدرة الإلهية ويراها في آثارها المشهودة في الكون ، ويحسها في ذوات الأنفس بآثارها المشهودة والمدركة ؛ ويعيش في مجال هذه القدرة وبين آثارها التي لا تغيب عن الحس والعقل والإلهام . ويراها محيطة بكل شيء ، مهيمنة على كل شيء ، مدبرة لكل شيء ، حافظة لكل شيء ، لا يند عنها شيء . سواء في ذلك الكبير والصغير والجليل والحقير .

ومن شأنه كذلك أن يعيش القلب البشري في حساسية مرهفة ، وتوفز دائم ، وخشية وارتقاب ، وطمع ورجاء ؛ وأن يمضي في الحياة معلقا في كل حركة وكل خالجة بالله ، شاعرا بقدرته وهيمنته ، شاعرا بعلمه ورقابته ، شاعرا بقهره وجبروته ، شاعرا برحمته وفضله ، شاعرا بقربه منه في كل حال .

وأخيرا فإن من شأنه أن يحس بالوجود كله متجها إلى خالقه فيتجه معه ، مسبحا بحمد ربه فيشاركه تسبيحه ، مدبرا بأمره وحكمته فيخضع لشريعته وقانونه . . ومن ثم فهو تصور إيماني كوني بهذا المعنى ، وبمعان أخرى كثيرة تتجلى في المواضع المتعددة في القرآن التي تضمنت عرض جوانب من هذا التصور الإيماني الشامل الكامل المحيط الدقيق . وأقرب مثل منها ما ورد في ختام سورة الحشر ، في هذا الجزء .

( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض ، له الملك وله الحمد ) . .

فكل ما في السماوات والأرض متوجه إلى ربه ، مسبح بحمده ؛ وقلب هذا الوجود مؤمن ، وروح كل شيء في هذا الوجود مؤمنة ، والله مالك كل شيء . وكل شيء شاعر بهذه الحقيقة . والله محمود بذاته ممجد من مخلوقاته . فإذا وقف الإنسان وحده في خضم هذا الوجود الكبير كافر القلب جامد الروح ، متمردا عاصيا ، لا يسبح لله ، ولا يتجه إلى مولاه ، فإنه يكون شاذا بارز الشذوذ ، كما يكون في موقف المنبوذ من كل ما في الوجود .

( وهو على كل شيء قدير ) . .

فهي القدرة المطلقة ، التي لا تتقيد بقيد . وهي حقيقة يطبعها القرآن في القلب المؤمن فيعرفها ويتأثر بمدلولها ، ويعلم أنه حين يركن إلى ربه فإنما يركن إلى قدرة تفعل ما تشاء ، وتحقق ما تريد . بلا حدود ولا قيود .

وهذا التصور لقدرة الله وتسبيح كل شيء له ، وتوجه الوجود إليه بالحمد . . هو طرف من ذلك التصور الإيماني الكبير .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (1)

مقدمة السورة:

سورة التغابن

أهداف سورة التغابن

( سورة التغابن مدنية وآياتها 18 آية ، نزلت بعد سورة التحريم )

والتغابن بمعنى الغبن ، لأن أهل الجنة يغبنون أهل النار ويأخذون أماكنهم في الجنةi . أي ينتصر أهل الجنة في ذلك اليوم ، لأنهم أخذوا حقهم مضاعفا .

وقال جار الله : التغابن مستعار من تغابن القوم في التجارة ، وهو أن يغبن بعضهم بعضا ، لنزول السعداء منازل الأشقياء التي كانوا ينزلونها لو كانوا سعداء ، ونزول الأشقياء منازل السعداء التي كانوا ينزلوها لو كانوا أشقياء ، كما ورد في الحديث : ii

" ما من عبد يدخل الجنة إلا يرى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا ، وما من عبد يدخل النار إلا يرى مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة " . iii

قال النيسابوري : يجوز أن يُفسر التغابن بأخذ المظلوم حسنات الظالم ، وحمل الظالم خطايا المظلوم ، وإن صح مجيء التغابن بمعنى الغبن فذلك واضح في حق كل مقصر صرف شيئا من استعداده الفطري في غير ما أعطي لأجله .

وقال الشيخ مخلوف : يوم التغابن يظهر فيه غبن الكافر بتركه الإيمان ، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان . iv

مع السورة

في الآيات ( 1-4 ) نجد آيات تذكر جلال الخالق المبدع وتصور قدرة الله القدير :

1- فهو سبحانه مالك الملك وصاحب الفضل والنعم ، وهو القادر القاهر المتصف بصفات الجلال والكمال ، وقدرة الله لا حدود لها فهي محيطة بكل شيء ، مهيمنة على كل شيء ، مدبرة لكل شيء ، حافظة لكل شيء ، لا يفتر عنها شيء ، سواء في ذلك الكبير والصغير ، والجليل والحقير .

والمؤمن يدرك آثار هذه القدرة ويشعر بجلال الله وعظمته ، وعلمه ووقايته ، وقهره وجبروته ، ورحمته وفضله ، وقربه منه في كل حال .

2- وقد خلق الله الإنسان ومنحه الإرادة والاختيار ، وميّزه بذلك على جميع الموجودات ، وأرسل إليه الرسل ، وأنزل إليه الكتب ليساعده على الإيمان ، ومن الناس من يهديه الله للإيمان ، ومنهم من يختار الكفر والجحود .

3- وقد أبدع الله خلق السماء فرفعها ، وزينها بالنجوم ، وخلق الأرض وأودع فيها الأقوات ، والجبال والبحار والأنهار ، وخلق الإنسان في أبدع صورة وأحسن تركيبه ، حيث يجتمع فيه الجمال إلى الكمال ، ويتفاوت الجمال بين شكل وشكل ، ، ولكن الله متّع الجميع بكل ما يحتاجون إليه من الآلات الجسدية ، ومن المواهب المعنوية ، ومن الخصائص التي يتفوق بها الإنسان على سائر الأحياء .

4- وقد أحاط علم الله بالسماء والأرض ، والسر والعلن ، والمؤمن يحس بإحاطة علم الله به ، ويشعر أنه مكشوف كله لعين الله ، فليس له سر يخفى عليه ، وليست له نية غائرة في الضمير لا يراها وهو العليم بذات الصدور .

وبهذه المعاني يستقر الإيمان في القلب ، ويستقر تعظيم الله والشعور بجلاله ورقابته .

أما الآيتان ( 5-6 ) فتُذكران بما أصاب المكذبين للرسل من الهلاك والدمار ، لقد جاءتهم الرسل بالآيات الواضحات ، فاستكثروا أن يكون النبي إنسانا من البشر ، وأعرضوا عن الهدى فأعرض الله عنهم ، وهو سبحانه غني عن عباده ، محمود على نعمائه .

والآيات ( 7-13 ) تستعرض شبهة الكافرين في البعث وإنكارهم له ، وترد عليهم بأن البعث حقيقة مؤكدة ، ويتبع البعث الحساب والجزاء ، والإيمان بالله ورسوله هو سبيل النجاة والهداية ، فسيجمع الله المؤمنين والكفار يوم التغابن .

والتغابن مفاعلة من الغبن ، وهو تصوير لما يقع من فوز المؤمنين بالنعيم ، وحرمان الكافرين من كل شيء منه ، ثم صيرورتهم إلى الجحيم ، فهما نصيبان متباعدان ، وكأنما كان هناك سباق للفوز بكل شيء ، وليغبن كل فريق مسابقه ، ففاز فيه المؤمنون وهُزم فيه الكافرون .

إن من آمن وعمل صالحا له جزاؤه في جنة الخلد والفوز العظيم ، ومن كفر بالله وكذب بآياته له عقابه وخلوده في النار وبئس المصير .

وإن من أصول الإيمان أن تؤمن بالقضاء والقدر ، وأن ترى الله مصدر كل شيء ، وأن تفوض إليه الأمر ، وأن تحني رأسك إجلالا لعظمته وتسليما لقضائه وقدره .

وطاعة الله وطاعة الرسول طريق الفلاح ، والإعراض عن طاعتهما نذير بالعقاب ، وليس هناك في الكون إلا إله واحد ، يتوكل عليه المؤمن ويتيقن بوجوده ، ويوحده ويعظمه ، وذلك أساس العقيدة الإسلامية .

قال تعالى : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } . ( التغابن : 13 ) .

روابط الأسرة

تتجه الآيات الأخيرة من السورة لبناء المجتمع ، وتهذيب العاطفة ، وتوجيه العلاقات الأسرية الوجهة السليمة ، لذلك يقول الفيروزبادي : سورة التغابن مكية إلا آخرها : { إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ . . . } إلى آخر السورةv .

فالآيات الأولى من السورة شبيهة بالآيات المكية في بناء العقيدة ، وتأكيد معنى الألوهية ، وبيان صفات الله وكمالاته ، أما الآيات الأخيرة من السورة فتتجه لبناء مجتمع سليم .

وفي تفسير مقاتل وابن جرير الطبري أن الآية نزلت في قوم كانوا أرادوا الإسلام والهجرة ، فثبطهم عن ذلك أزواجهم وأولادهم .

وروى ابن جرير عن عكرمة أن رجلا سأل ابن عباس عن قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ . . . } ( التغابن : 14 ) . قال : هؤلاء رجال أسلموا ، فأرادوا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فلما أتوا رسول الله عليه وسلم ورأوا الناس قد فقهوا في الدين ، هموا أن يعاقبوهمvi فأنزل الله تعالى هذه الآية وفيها : { وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .

فينبغي ألا تشغل المكلف زوجته ولا أولاده عن طاعة الله ، وأن تكون أسرته وسيلة لمرضاة ربه ، ومعينة له على الصلاح والإصلاح ، إن الله يمتحن الإنسان بالمال والولد ، فالمؤمن يتخذ ماله وسيلة لمرضاة ربه ، ويجعل من ولده أثرا صالحا ، وعند الله الأجر الأكبر لمن أحسن استخدام ماله وولده في طريق الخير والإحسان .

روى الإمام أحمد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب ، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ، ووضعهما بين يديه ، ثم قال : " صدق الله ورسوله : إنما أموالكم وأولادكم فتنة . نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران حتى قطعت حديثي ورفعتهما " . vii

وفي الأثر : الولد مجبنة مبخلة ، أي : يجعل والده جبانا وبخيلا ، رغبة من الأب في توفير الحماية والمال لولده .

والإسلام يهذب الغرائز ، وينمي الفطرة ويوجهها إلى الوجهة السليمة ، فيأمر بالاعتدال في حب المال والولد ويحذر من الافتتان بهما ، وإذا طلبت الزوجة أو الأولاد ما يغضب الله فحذار من طاعتهما ، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

وكل ما قد ترى تفنى بشاشته *** يبقى الإله ويفنى الأهل والولد

وفي آخر السورة دعوة إلى تقوى الله قدر الطاقة والاستطاعة ، وحث على الصدقة والإحسان ، وتحذير من البخل والشح : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا . . . ( التغابن : 17 ) . وتقدموا صدقة للفقراء وعملا صالحا في مرضاة الله ، فإن الله يضاعف الثواب لكم إلى سبعمائة ضعف ، ويصفح عن عقوبتكم ، ويشكر لكم أعمالكم ، وهو سبحانه شكور حليم ، فالله صاحب الفضل والنعم ، يطلب من عبده فضل ما أعطاه ، ثم يشكر لعبده ويعامله بالحلم والعفو عن التقصير ، فما أجمل الله وما أعظم حلمه ، وما أوسع رحمته وفضله .

وفي الآية الأخيرة تظهر صفات الجلال والكمال ، فهو سبحانه ، عالم الغيب . أي : ما لا يراه العباد ويغيب عن أبصارهم ، والشهادة . أي : ما يشهدونه فيرونه بأبصارهم viii . فكل شيء مكشوف لعلمه خاضع لسلطانه ، مدبر بحكمته ، وهو العزيز الغالب ، الحكيم في تدبير خلقه وصرفه إياهم فيما يصلحهم .

المعنى الإجمالي للسورة

قال الفيروزبادي :

معظم مقصود سورة التغابن : بيان تسبيح المخلوقات ، والحكمة في تخليق الخلق ، والشكاية من القرون الماضية ، وإنكار الكفار البعث والقيامة ، وبيان الثواب والعقاب ، والإخبار عن عداوة الأهل والأولاد ، والأمر بالتقوى حسب الاستطاعة ، وتضعيف ثواب المتقين ، والخبر عن اطلاع الحق على علم الغيب في قوله سبحانه : { عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم } . ( التغابن : 18 ) .

مظاهر قدرة الله

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 2 ) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 3 ) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 4 ) }

1

المفردات :

يسبح : ينزّه ويقدس ويمجد .

ما في السماوات والأرض : جميع المخلوقات في السماوات والأرض بدلالتها على كماله واستغنائه .

التفسير :

1-{ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .

كل شيء في الكون خاضع لقدرة الله ، مؤمن بوجود الله ، مُسبّح ومُعظّم ومُنزّه لله عن كل نقص ، ومعترف له بكل كمال ، فالملك لله وحده ، والحمد لله وحده ، وملك الناس أمر عارض ومنتقل ، وشكرنا للناس هو شكر لمن أجرى الله النعمة على يديه ، فالمخلوق سبب ظاهر ، والمسبب الحقيقي هو الله تعالى .

{ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .

والقدرة صفة وجودية قديمة قائمة بذات الله تعالى ، فهو خالق الأكوان ، ورازق الأكوان ، ومدبّر الملك والخلق ، وهو فعّال لما يريد ، لا حدود لقدرته ، ولا رادّ لأمره .

قال تعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } . ( يس : 82 ) .

فإذا أراد إيجاد شيء امتثل ووجد في سرعة قول القائل كُن ، وامتثال الشيء ووجوده في الحال ، فكل شيء في الكون خاضع لقدرته ومشيئته وإرادته .

{ إن الله على كل شيء قدير } . ( البقرة : 20 ) .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ} (1)

مقدمة السورة:

سورة التغابن

مدنية في قول الأكثرين وعن ابن عباس وعطاء بن يسار أنها مكية إلا آيات من آخرها ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ) الخ وعدد آيها تسع عشرة آية بلا خلاف ومناسبتها لما قبلها أنه سبحانه ذكر هناك حال المنافقين وخاطب بعد المؤمنين وذكر جل وعلا هنا تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر وأيضا في آخر تلك ( لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم ) وفي هذه ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) وهذه الجملة على ما قيل : كالتعليل لتلك وأيضا في ذكر التغابن نوع حث على الإنفاق قبل الموت المأمور به فيما قبل واستنبط بعضهم عمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين من قوله تعالى في تلك السورة : ( ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ) فإنها رأس ثلاث وستين سورة وعقبها سبحانه بالتغابن ليظهر التغابن في فقده عليه الصلاة والسلام .

بسم الله الرحمن الرَّحيم { يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا في السموات وَمَا فِي الأرض } أي ينزهه سبحانه وتعالى جميع المخلوقات عما لا يليق بجناب كبريائه سبحانه تسبيحاً مستمراً ، وذلك بدلالتها على كمال عز وجل واستغنائه تعالى ، والتجدد باعتبار تجدد النظر في وجوه الدلالة على ذلك { لَهُ الملك وَلَهُ الحمد } لا لغيره تعالى إذ هو جل شأنه المبدئ لكل شيء وهو القائم به والمهيمن عليه وهو عز وجل المولي لأصول النعم وفروعها وأما ملك غيره سبحانه فاسترعاء منه تعالى وتسليط ، وأما حمد غيره تبارك وتعالى فلجريان إنعامه تعالى على يده فكلا الأمرين له تعالى في الحقيقة ولغيره بحسب الصورة ، وتقديم { لَهُ الملك } لأنه كالدليل لما بعده { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } لأن نسبة ذاته جل شأنه المقتضية للقدة إلى الكل سواء فلا يتصور كون بعض مقدوراً دون بعض .