في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ} (84)

84

( وإلى مدين أخاهم شعيبا . قال : يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره . . . ) .

إنها الدينونة لله وحده قاعدة العقيدة الأولى . وقاعدة الحياة الأولى . وقاعدة الشريعة الأولى . وقاعدة المعاملات الأولى . . القاعدة التي لا تقوم بغيرها عقيدة ولا عبادة ولا معاملة . .

( ولا تنقصوا المكيال والميزان ، إني أراكم بخير ، وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين . بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين . وما أنا عليكم بحفيظ ) . .

والقضية هنا هي قضية الأمانة والعدالة - بعد قضية العقيدة والدينونة - أو هي قضية الشريعة والمعاملات التي تنبثق من قاعدة العقيدة والدينونة . . فقد كان أهل مدين - وبلادهم تقع في الطريق من الحجاز إلى الشام - ينقصون المكيال والميزان ، ويبخسون الناس أشياءهم ، أي ينقصونهم قيمة أشيائهم في المعاملات . وهي رذيلة تمس نظافة القلب واليد ، كما تمس المروءة والشرف . كما كانوا بحكم موقع بلادهم يملكون أن يقطعوا الطريق على القوافل الذاهبة الآيبة بين شمال الجزيرة وجنوبها . ويتحكموا في طرق القوافل ويفرضوا ما يشاءون من المعاملات الجائزة التي وصفها الله في هذه السورة .

ومن ثم تبدو علاقة عقيدة التوحيد والدينونة لله وحده بالأمانة والنظافة وعدالة المعاملة وشرف الأخذ والعطاء ، ومكافحة السرقة الخفية سواء قام بها الأفراد أم قامت بها الدول . فهي بذلك ضمانة لحياة إنسانية أفضل ، وضمانة للعدل والسلام في الأرض بين الناس . وهي الضمانة الوحيدة التي تستند إلى الخوف من الله وطلب رضاه ، فتستند إلى أصل ثابت ، لا يتأرجح مع المصالح والأهواء . .

إن المعاملات والأخلاق لا بد أن تستند إلى أصل ثابت لا يتعلق بعوامل متقلبة . . هذه هي نظرة الإسلام . وهي تختلف من الجذور مع سائر النظريات الاجتماعية والأخلاقية التي ترتكن إلى تفكيرات البشر وتصوراتهم وأوضاعهم ومصالحهم الظاهرة لهم !

وهي حين تستند إلى ذلك الأصل الثابت ينعدم تأثرها بالمصالح المادية القريبة ؛ كما ينعدم تأثرها بالبيئة والعوامل السائدة فيها .

فلا يكون المتحكم في أخلاق الناس وقواعد تعاملهم من الناحية الأخلاقية هو كونهم يعيشون على الزراعة أو يعيشون على الرعي أو يعيشون على الصناعة . . إن هذه العوامل المتغيرة تفقد تأثيرها في التصور الأخلاقي وفي قواعد المعاملات الأخلاقية ، حين يصبح مصدر التشريع للحياة كلها هو شريعة الله ؛ وحين تصبح قاعدة الأخلاق هي إرضاء الله وانتظار ثوابه وتوقي عقابه ، وكل ما يهرف به أصحاب المذاهب الوضيعة من تبعية الأخلاق للعلاقات الاقتصادية وللطور الاجتماعي للأمة يصبح لغوا في ظل النظرة الأخلاقية الإسلامية !

( ولا تنقصوا المكيال والميزان . إني أراكم بخير ) . .

فقد رزقكم الله رزقا حسنا ، فلستم في حاجة إلى هذه الدناءة لتزيدوا غنى ، ولن يفقركم أو يضركم أن لا تنقصوا المكيال والميزان . . بل إن هذا الخير ليهدده ما أنتم عليه من غش في المعاملة ، أو غصب في الأخذ والعطاء .

( وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ) . .

إما في الآخرة عند الله . وإما في هذه الأرض حين يؤتي هذا الغش والغصب ثمارهما المرة في حالة المجتمع وفي حركة التجارة . وحين يذوق الناس بعضهم بأس بعض ، في كل حركة من الحركات اليومية وفي كل تعامل وفي كل احتكاك .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ} (84)

{ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ 84 وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ 85 بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ 86 } .

المفردات :

وإلى مدين : أراد : أولاد مدين بن إبراهيم .

عذاب يوم محيط : أي : لا يشذ منه أحد .

84

التفسير :

84 { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ . . . } الآية .

أي : وما أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم في النسب والقبيلة ، وهو شعيب عليه السلام ، وكانوا أهل كفر وجشع وطمع ، لا يوفون الحقوق ، ولا يحفظون الأمانات ؛ فدعاهم أولا إلى الإيمان بالله تعالى ، فهو الإله وحده ولا يستحق العبادة سواه .

وقد جرت عادة الأنبياء أن يبدءوا قومهم بالدعوة توحيد الله تعالى ؛ لأن الإيمان بالله أصل الفضائل ؛ فهو الذي يمنح الإنسان مراقبة الله ، والتزام أوامره ، واجتناب نواهيه ، ثم نهاهم شعيب عن تطفيف الكيل والميزان ؛ فقال :

{ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ } . أي : لا تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالكم وميزانكم ، وهذا النقص يكون من جهتين .

الأولى : عند البيع بأن يجعلوا المكيال ناقصا ، ويسمى : تطفيف الكيل ؛ لأنه لا يكاد يسرق من البائع له إلا الشيء الطفيف .

الثانية : عند الشراء ، بأن يأخذوا من غيرهم أكثر من حقهم فتجد عند التاجر مكيالان يبيع بأحدهما ، وهو الناقص ، ويشترى بالآخر وهو الزائد ، وفي هؤلاء قال تعالى : { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ*أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ*لِيَوْمٍ عَظِيمٍ } . ( المطففين : 1 5 ) .

{ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ } . إنكم من نعمة الله وعافية ، وأرزاق كثيرة ، وأرض طيبة ، وأشجار وارفة ، وثروة كبيرة ، ورفاه في المعيشة ؛ تغنيكم عن الطمع والدناءة ؛ في بخس الناس حقوقهم .

{ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } . وإني أخشى عليكم عذاب يوم يحيط بكم جميعا ؛ فلا يترك أحدا منكم ، وهو إما عذاب الاستئصال في الدنيا ، وإما عذاب الآخرة في جهنم ، قال تعالى : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } . ( التوبة : 49 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ} (84)

قوله تعالى : { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } .

مدين هم قوم شعيب ، وسموا بذلك ؛ لأنهم بنو مدين بن إبراهيم . وقيل : إن هذا اسم مدينتهم فنسبوا إليها . وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحاجز والشام قريبا من معان . وهي بلاد تعرف بهم يقال لها : مدين .

فقد أرسل الله إليهم نبيه شعيبا عليه السلام ، وكان من أشرفهم نسبا ، فقال لهم : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره } أي أقروا الله وحده بالعبودية دون غيره من الأنداد ، وأفردوه وحده بالإلهية دون غيره من الشركاء ، وأذعنوا له بالطاعة والانقياد .

قوله : { ولا تنقصوا المكيال والميزان } { المكيال } ، ما يكال به ، وجمعه : مكاييل{[2157]} . و { الميزان } : الآلة التي توزن بها الأشياء{[2158]} ؛ أي تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالكم وميزانكم ؛ فقد كان أهل مدين فرق إشراكهم وكفرهم وعبادتهم للأوثان ، أهل بخس وتطفيف في المكيال والميزان . فكانوا إذا باعوا أعطوا دون ما يستحقه المشتري . وإذا اشتروا قبضوا أكثر من حقهم ، فهم في الحالين مستزيدون أكثر مما يستحقون . وذلكم ظلم وخيانة وغش . فنهاهم الله عن هذا الخلق الذميم الذي يجر لهم السحت ثم يجرجر في بطونهم النار يوم القيامة . قوله : { إني أراكم بخير } يعني أراكم تنعمون في البحبوحة والسعة وكثرة النعم فلا حاجة لكم إلى البخس في الكيال والميزان .

قوله : { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } أي مهلك . وهو من قوله تعالى : { وأحيط بثمره } أي أهلك ، وأصله من إحاطة العدو . والمراد : أن شعيبا خشي على قومه من عذاب الاستئصال في الدنيا ، أو العذاب البئيس في الآخرة{[2159]} .


[2157]:المعجم الوسيط جـ 2 ص 808.
[2158]:المعجم الوسيط جـ 2 ص 1030.
[2159]:تفسير الرازي جـ 18 ص 41 والكشاف جـ 2 ص 285 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 455 والنسفي جـ 2 ص 200.