تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{۞وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ} (84)

{ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ 84 وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ 85 بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ 86 } .

المفردات :

وإلى مدين : أراد : أولاد مدين بن إبراهيم .

عذاب يوم محيط : أي : لا يشذ منه أحد .

84

التفسير :

84 { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ . . . } الآية .

أي : وما أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم في النسب والقبيلة ، وهو شعيب عليه السلام ، وكانوا أهل كفر وجشع وطمع ، لا يوفون الحقوق ، ولا يحفظون الأمانات ؛ فدعاهم أولا إلى الإيمان بالله تعالى ، فهو الإله وحده ولا يستحق العبادة سواه .

وقد جرت عادة الأنبياء أن يبدءوا قومهم بالدعوة توحيد الله تعالى ؛ لأن الإيمان بالله أصل الفضائل ؛ فهو الذي يمنح الإنسان مراقبة الله ، والتزام أوامره ، واجتناب نواهيه ، ثم نهاهم شعيب عن تطفيف الكيل والميزان ؛ فقال :

{ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ } . أي : لا تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالكم وميزانكم ، وهذا النقص يكون من جهتين .

الأولى : عند البيع بأن يجعلوا المكيال ناقصا ، ويسمى : تطفيف الكيل ؛ لأنه لا يكاد يسرق من البائع له إلا الشيء الطفيف .

الثانية : عند الشراء ، بأن يأخذوا من غيرهم أكثر من حقهم فتجد عند التاجر مكيالان يبيع بأحدهما ، وهو الناقص ، ويشترى بالآخر وهو الزائد ، وفي هؤلاء قال تعالى : { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ*أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ*لِيَوْمٍ عَظِيمٍ } . ( المطففين : 1 5 ) .

{ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ } . إنكم من نعمة الله وعافية ، وأرزاق كثيرة ، وأرض طيبة ، وأشجار وارفة ، وثروة كبيرة ، ورفاه في المعيشة ؛ تغنيكم عن الطمع والدناءة ؛ في بخس الناس حقوقهم .

{ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } . وإني أخشى عليكم عذاب يوم يحيط بكم جميعا ؛ فلا يترك أحدا منكم ، وهو إما عذاب الاستئصال في الدنيا ، وإما عذاب الآخرة في جهنم ، قال تعالى : { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } . ( التوبة : 49 ) .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ} (84)

قوله تعالى : { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } .

مدين هم قوم شعيب ، وسموا بذلك ؛ لأنهم بنو مدين بن إبراهيم . وقيل : إن هذا اسم مدينتهم فنسبوا إليها . وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحاجز والشام قريبا من معان . وهي بلاد تعرف بهم يقال لها : مدين .

فقد أرسل الله إليهم نبيه شعيبا عليه السلام ، وكان من أشرفهم نسبا ، فقال لهم : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره } أي أقروا الله وحده بالعبودية دون غيره من الأنداد ، وأفردوه وحده بالإلهية دون غيره من الشركاء ، وأذعنوا له بالطاعة والانقياد .

قوله : { ولا تنقصوا المكيال والميزان } { المكيال } ، ما يكال به ، وجمعه : مكاييل{[2157]} . و { الميزان } : الآلة التي توزن بها الأشياء{[2158]} ؛ أي تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالكم وميزانكم ؛ فقد كان أهل مدين فرق إشراكهم وكفرهم وعبادتهم للأوثان ، أهل بخس وتطفيف في المكيال والميزان . فكانوا إذا باعوا أعطوا دون ما يستحقه المشتري . وإذا اشتروا قبضوا أكثر من حقهم ، فهم في الحالين مستزيدون أكثر مما يستحقون . وذلكم ظلم وخيانة وغش . فنهاهم الله عن هذا الخلق الذميم الذي يجر لهم السحت ثم يجرجر في بطونهم النار يوم القيامة . قوله : { إني أراكم بخير } يعني أراكم تنعمون في البحبوحة والسعة وكثرة النعم فلا حاجة لكم إلى البخس في الكيال والميزان .

قوله : { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } أي مهلك . وهو من قوله تعالى : { وأحيط بثمره } أي أهلك ، وأصله من إحاطة العدو . والمراد : أن شعيبا خشي على قومه من عذاب الاستئصال في الدنيا ، أو العذاب البئيس في الآخرة{[2159]} .


[2157]:المعجم الوسيط جـ 2 ص 808.
[2158]:المعجم الوسيط جـ 2 ص 1030.
[2159]:تفسير الرازي جـ 18 ص 41 والكشاف جـ 2 ص 285 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 455 والنسفي جـ 2 ص 200.