على أن الله لم يهلك تلك القرى المتبطرة إلا وقد أرسل في أمها رسولا . فتلك هي سنته التي كتبها على نفسه رحمة بعباده :
( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا ، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) . .
وحكمة إرسال الرسول في أم القرى - أي كبراها أو عاصمتها - أن تكون مركزا تبلغ منه الرسالة إلى الأطراف فلا تبقى حجة ولا عذر فيها لأحد . وقد أرسل النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في مكة أم القرى العربية . فهو ينذرهم عاقبة المكذبين قبلهم بعد ما جاءهم النذير : ( وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) . . يكذبون بالآيات عن معرفة وعن يقين !
أمها : أكبرها وأعظمها ، وهي أصلها وعاصمتها ، وأم القرى : مكة ، لأنها توسطت الأرض ، أو لأنها قبلة الناس يؤمونها .
59-{ وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آيتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } .
الله تعالى لا يظلم الناس ، ولا يهلكهم بدون وجه حق ، قال تعالى : { إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون } [ يونس : 44 ] .
ومن عدالة الله تعالى ورحمته بالعباد إرسال الرسل وإنزال الكتب ، وتقديم النصيحة ، ومن شأن الرسل أن تكون في القرى الرئيسية كالعاصمة للقطر ، أو عاصمة الإقليم كالمحافظة ، أو قرية تكون أساسا وعمادا لما حولها من القرى ، مثل مكة فهي أم القرى ، أي : عاصمة الجزيرة العربية .
والمعنى : ما صح ولا استقام في حكمتنا وشرعنا أن نهلك قرية من القرى ، حتى نرسل رسولا في عاصمة هذه القرية للتبليغ والإرشاد ، والنصح والتوجيه ، وتلك مهمة الرسل ، قال تعالى : { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما } [ النساء : 165 ] .
هؤلاء الرسل يقرءون الوحي والقصص ، ويدعون الناس إلى الله تعالى ، بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ، وبيان منهج الله تعالى وسنته وشريعته ، وأوامره ونواهيه ، فمن أطاع الله كانت له سعادة الدارين ، ومن عصى وطغى وبغى أهلكه الله جزاء ظلمه وبغيه .
{ وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون }
فالله تعالى لا يهلك الناس عبثا ، ولا يعاقبهم جزافا ، وإنما يهلك من كذب الرسل ، وجحد النبوات ، وظلم وطغى وبغى ، فاستحق الهلاك بعمله وبغيه ، قال تعالى : { وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } [ النحل : 112 ] .
وقد أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم في مكة وهي أم القرى ، وقد كذب أهلها ، فكأن في الآية وعيدا وتهديدا لأهل مكة ، والله أعلم .
قوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ( 59 ) وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 60 ) أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } .
ذلك إخبار من الله لعباده عن عدله المطلق في العقاب ، فإنه سبحانه منزه عن الظلم وهو لا يظلم من عباده أحدا إلا عقب قيام الحجة عليه . ولذلك قال هنا : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً } أي ما كان ربك يا محمد مهلك أهل القرى التي حول مكة حتى يبعث في أعظمها رسولا يبلغ الناس الحق وينذرهم شديد بأسه وعقابه . والمراد بأمها أو أعظمها : مكة ؛ فهي أعظم القرى من حولها أو أصلها وقصبتها . فقد بعث الله في مكة رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } بعثه الله بقرآنه الحكيم هداية للناس واستنقاذا للبشرية من وهدة الباطل والشر .
قوله : { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } وذلك إعلان من الله للبشرية عن كامل عدله الذي لا يبلغه عدل . وهو أنه لا يأخذ أهل القرى من الكافرين بهلاك حتى يلزمهم الحجة بإرسال رسوله إليهم ؛ فهو لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم وعصيانهم ، أي لا يهلكهم بكونهم ظالمين إلا بعد أن تتأكد الحجة والإلزام ببعث المرسلين فإن أبوا وأعرضوا فقد استحقوا العقاب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.