في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓۚ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ} (51)

26

وبينما هم في مفاجأة السؤال الذي ينقل مشاعرهم إلى تصور الخطر وتوقعه ، تفجؤهم الآية التالية بوقوعه فعلاً . . وهو لم يقع بعد . . ولكن التصور القرآني يرسمه واقعاً ، ويغمر به المشاعر ، ويلمس به الوجدان :

( أثم إذا ما وقع آمنتم به ? آلآن وقد كنتم به تستعجلون ? ! ) .

فكأنما قد وقع . وكأنما قد آمنوا به ، وكأنما يخاطبون بهذا التبكيت في مشهد حاضر يشهدونه الآن !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓۚ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ} (51)

المفردات :

أثم إذا ما وقع آمنتم به : أي : أبعد ما يقع العذاب حقيقة تؤمنون به ، ودخول همزة الاستفهام على ، ثم ؛ لإنكار تأخيرهم الإيمان إلى وقت وقوع العذاب وتوبيخهم عليه .

التفسير :

51 { أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } .

من شأن القرآن الكريم تصريف القول ، وتلوين الوعيد ، واستحضار الغائب ، وهنا عرض القرآن مشهدا من مشاهد العذاب ؛ حين يشاهد الكفار المكذبون عذاب الله رأى العين ؛ فيؤمنون بالله بعد فوات الأوان !

ومعنى الآية :

إنكم أيها الجاهلون لستم بصادقين في استعجال وقوع العذاب بكم ، فإنكم حين ينزل العذاب وتشاهدون أهواله وتذوقون مرارته ؛ تؤمنون بأنه حق .

ويتحول استهزاؤكم به إلى تصديق وإذعان وتحسر ؛ لكن هذا الإيمان لن يقبل منكم ؛ لأنه جاء بعد فوات الأوان ، ومن سنة الله أن يرسل الرسل وينزل الكتب ، ويترك الفرصة للإيمان في سعة الحياة فإذا انتهى الأجل وحل العذاب ؛ لا يقبل من الإنسان الإيمان بعد انتهاء السعة والفرصة السانحة في دنياه .

قال تعالى : { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين* فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون } . ( غافر : 84 ، 85 ) .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓۚ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ} (51)

{ أثُمَّ إذا ما وقع } أي عذابه وانتفى كل ما يضاده { آمنتم به } وذلك أنه كانت عادتهم كمن قبلهم الاستعجال بالعذاب عند التوعد به ، وكانت سنة الله قد جرت بأن المكذبين إذا أتاهم العذاب يتراخى إيمانهم بعد مجىء مقدماته وقبل اجتثاثهم بعظائم صدماته لشدة معاندتهم{[38068]} فيه وتوطنهم عليه كما وقع للأولين من الأمم بغياً وعتواً كقوم صالح لما تغيرت وجوههم بألوان مختلفة في اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث وأيقنوا بالهلكة وودع بعضهم بعضاً ولم يؤمنوا . وجرت بأنهم إذا ذاقوا مس العذاب وأخذتهم فواجئه الصعاب شغلتهم دواهيه عن العناد{[38069]} واضطرتهم أهواله إلى سهل الانقياد ، فكان في غاية الحسن وضع تقريعهم على الاستعجال عقب الوعيد ، ثم وضع التراخي عن الإيمان بالعناد بعد الإشراف على الهلاك ومعاينة التلف ، فكان كأنه قيل : أخبروني على تقدير أن يأتيكم عذابه الذي لا عذاب أعظم منه - كما دل على ذلك إضافته إليه - فبيتكم أو كاشفكم ، ماذا تفعلون ؟ ألا تؤمنون ؟ فقالوا لا ، فليعجل به ليرى ، فناسب لما كان استعجالهم بعد هذا الإنذار تسفيههم على ذلك فقيل { ماذا } أي أي نوع منه يطلب عجلته { المجرمون } ، ولا نوع منه إلا وهو فوق الطاقة{[38070]} ووراء الوسع ، إن هذا لمنكر من الآراء ، أفبعد تراخي إيمانكم{[38071]} عن مخايل صدمته ومشاهدة مبادىء عظمته وشدته أوجدتم الإيمان به {[38072]}عند وقوعه ؟ يقال لكم حين اضطرتكم فواجئه إلى الإيمان{[38073]} وحملتكم قوارعه على صيورة{[38074]} الإذعان : { آلآن } تؤمنون به - أي بسببه - بعد أن أزال بطشناً قواكم وحل عزائم{[38075]} هممكم وأوهاكم{[38076]} { وقد كنتم } أي كوناً كأنكم مجبولون عليه { به تستعجلون* } أي تطلبون تعجيله طلباً عظيماً حتى كأنكم لاتطلبون عجلة{[38077]} شيء غيره تكذيباً وعزماً على الثبات على العناد ، لو وقع فلم نقبل{[38078]} إيمانكم هذا منكم ولا كف عذابنا عنكم ، بل صيركم كأمس الدابر .


[38068]:في الأصل: معاندهم، وفي ظ: عنادهم.
[38069]:موضعه بياض في ظ.
[38070]:في ظ: الطاعة.
[38071]:في ظ: إيمانه.
[38072]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[38073]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[38074]:بمعنى منتهى الأمر وعاقبته، وفي ظ: صهورة.
[38075]:في ظ: عزائمكم.
[38076]:في ظ: أوهامكم.
[38077]:من ظ، وفي الأصل: عجلته.
[38078]:في ظ: فلم يقبل.