في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} (12)

ثم يأخذ السياق في جولة جديدة في واد آخر ، موصول بذلك الوادي الذي كنا فيه . واد تجتمع فيه مناظر الطبيعة ومشاعر النفس ، متداخلة متناسقة في الصورة والظل والإيقاع . وتخيم عليه الرهبة والضراعة والجهد والإشفاق . وتظل النفس فيه في ترقب وحذر ، وفي تأثر وانفعال :

( هو الذي يريكم البرق . خوفا وطمعا . وينشيء السحاب الثقال . ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته . ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ، وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال . له دعوة الحق ، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ، وما هو ببالغه ، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال . ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ، وظلالهم ، بالغدو والآصال . قل : من رب السماوات والأرض ? قل : الله . قل : أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ? قل : هل يستوي الأعمى والبصير . أم هل تستوي الظلمات والنور ? أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ? قل : الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ) . .

والبرق والرعد والسحاب مشاهد معروفة ، وكذلك الصواعق التي تصاحبها في بعض الأحيان . وهي بذاتها مشاهد ذات أثر في النفس - سواء عند الذين يعرفون الكثير عن طبيعتها والذين لا يعرفون عن الله شيئا ! والسياق يحشدها هنا ؛ ويضيف إليها الملائكة والظلال والتسبيح والسجود والخوف والطمع ، والدعاء الحق والدعاء الذي لا يستجاب . ويضم إليها هيئة أخرى : هيئة ملهوف يتطلب الماء ، باسطا كفيه ليبلغه ، فاتحا فاه يتلقف منه قطرة . .

هذه كلها لا تتجمع في النص اتفاقا أو جزافا . إنما تتجمع لتلقي كلها ظلالها على المشهد ، وتلفه في جو من الرهبة والترقب ، والخوف والطمع ، والضراعة والارتجاف ، في سياق تصوير سلطان الله المتفرد بالقهر والنفع والضر ، نفيا للشركاء المدعاة ، وإرهابا من عقبى الشرك بالله

( هو الذي يريكم البرق . خوفا وطمعا ) . .

هو الله الذي يريكم هذه الظاهرة الكونية ، فهي ناشئة من طبيعة الكون التي خلقها هو على هذا النحو الخاص ، وجعل لها خصائصها وظواهرها . ومنها البرق الذي يريكم إياه وفق ناموسه ، فتخافونه لأنه بذاته يهز الأعصاب ، ولأنه قد يتحول إلى صاعقة ، ولأنه قد يكون نذيرا بسيل مدمر كما علمتكم تجاربكم . وتطمعون في الخير من ورائه ، فقد يعقبه المطر المدرار المحيي للموات ، المجري للأنهار .

وينشيء السحاب الثقال . .

وهو كذلك الذي ينشيء السحاب - والسحاب اسم جنس واحدته سحابة - الثقال بالماء . فوفق ناموسه في خلقه هذا الكون وتركيبه تتكون السحب ، وتهطل الأمطار . ولو لم يجعل خلفة الكون على هذا النحو ما تكونت سحب ولا هطلت أمطار . ومعرفة كيف تتكون السحب ، وكيفية هطول الأمطار لا تفقد هذه الظاهرة الكونية شيئا من روعتها ، ولا شيئا من دلالتها . فهي تتكون وفق تركيب كوني خاص لم يصنعه أحد إلا الله . ووفق ناموس معين يحكم هذا التركيب لم يشترك في سنه أحد من عبيد الله ! كما أن هذا الكون لم يخلق نفسه ، ولا هو الذي ركب في ذاته ناموسه !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} (12)

{ هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال12 ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال13 له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال14 ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال15 } .

المفردات :

خوفا وطمعا : خوفا للمسافرين في أسفارهم من مشقته وأذاه ، وطمعا للمقيم أن يمطر فينتفع به .

وينشئ السحاب الثقال : الذي فيه ماء .

التفسير :

13 ، 12 { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال* ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال } .

يخبر الله تعالى : أنه هو الذي يسخر البرق ، وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلل السحابxi .

{ خوفا وطمعا } . قال قتادة : خوفا للمسافر ؛ يخاف أذاه ومشقته ، وطمعا للمقيم ؛ يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله .

{ وينشئ السحاب الثقال } . قال مجاهد : السحاب الثقال : الذي فيه الماء .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ} (12)

ثم أخبر تعالى بأمر هو من أدلة ما قبله جامع للعلم والقدرة وهو ألطف من ذلك كله ، معلم{[43630]} بجليل القدرة في أنه إذا أراد سوءاً فلا مرد له ، ودقيق الحكمة لأنه مظهر واحد ترجى منه النعمة وتخشى منه النقمة{[43631]} فقال : { هو } أي وحده { الذي يريكم } أي{[43632]} على سبيل التجديد دائماً { البرق } وهو لمع كعمود النار { خوفاً } أي لأجل إرادة{[43633]} الخوف من قدرته على جعله صواعق مهلكة{[43634]} ، والخوف : انزعاج النفس بتوهم وقوع الضر{[43635]} .

ولما لم يكن لهم تسبب في إنزال المطر ، لم يعبر بالرجاء وقال : { وطمعاً } أي ولأجل إرادة طمعكم في رحمته بأن يكون غيثاً نافعاً ، ولا بد من هذا التقدير ليكونا{[43636]} فعل فاعل الفعل المعلل ، ويجوز أن يكون المعنى : يريكم{[43637]} ذلك{[43638]} إخافة وإطماعاً فتخافون خوفاً وتطمعون طمعاً ، فتكون الآية من الاحتباك : فعل الإراءة{[43639]} دال على الإخافة{[43640]} والإطماع ، والخوف والطمع{[43641]} دالان على " تخافون وتطمعون " ويجوز أن يكونا حالين من ضمير المخاطبين أي ذوي خوف وطمع { وينشىء } والإنشاء : فعل الشيء من غير سبب مولد { السحاب } وهو{[43642]} غيم ينسحب{[43643]} في السماء ، وهو اسم جنس جمعي ، واحده سحابه { الثقال * } بأنهار الماء محمولة في الهواء على متن الريح ؛ والثقل{[43644]} : الاعتماد على جهة الثقل{[43645]} بكثافة الأجزاء


[43630]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: معلل.
[43631]:سقط من ظ.
[43632]:زيد من م.
[43633]:في مد: أراد.
[43634]:من م ومد، وفي الأصل: مملكه، وفي ظ: مهلة- كذا.
[43635]:في مد: الضرر.
[43636]:في ظ: ليكون.
[43637]:في الأصول: بربكم.
[43638]:زيد في م: لكم.
[43639]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: الإرادة.
[43640]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الإضافة.
[43641]:زيد من ظ و م ومد.
[43642]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: هم.
[43643]:من ظ و م، وفي الأصل ومد: يتسحب.
[43644]:زيدت الواو بعده في ظ.
[43645]:زيد في م: أي.