ولقد كانوا - يهودا ونصارى - يطلقون تلك الدعوى العريضة ، بينما يقول كل منهما عن الفريق الآخر إنه ليس على شيء ؛ وبينما كان المشركون يجبهون الفريقين بالقولة ذاتها :
( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء - وهم يتلون الكتاب - كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) . .
والذين لا يعلمون هم الأميون العرب الذين لم يكن لهم كتاب ؛ وكانوا يرون ما عليه اليهود والنصارى من الفرقة ومن التقاذف بالإتهام ، ومن التمسك بخرافات وأساطير لا ترتفع كثيرا على خرافات العرب وأساطيرهم في الشرك ونسبة الأبناء - أو البنات - لله سبحانه ؛ فكانوا يزهدون في دين اليهود ودين النصارى ويقولون : إنهم ليسوا على شيء !
والقرآن يسجل على الجميع ما يقوله بعضهم في بعض ؛ عقب تفنيد دعوى اليهود والنصارى في ملكية الجنة ! ثم يدع أمر الخلاف بينهم إلى الله :
( فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) .
فهو الحكم العدل ، وإليه تصير الأمور . . وهذه الإحالة إلى حكم الله هي وحدها المجدية في مواجهة قوم لا يستمدون من منطق ، ولا يعتمدون على دليل ، بعد دحض دعواهم العريضة في أنهم وحدهم أهل الجنة ، وأنهم وحدهم المهديون !
( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا يختلفون( 113 ) (
قال الذين لا يعلمون : المراد بهم عبدة الأصنام والمعطلة ونحوهم من الجهلاء .
مثل قولهم : بأن قالوا عن أهل كل دين آخر : ليسوا على شيء .
أنكرت اليهود رسالة المسيح مع أن التوراة بشرت به ، ومازالوا يزعمون أن المسيح المبشر به في التوراة لم يأت وسيأتي بعد ، فهم يعتقدون أن النصارى بإتباعهم له ليسوا على أمر حقيقي من التدين .
والنصارى تكفر اليهود لعدم إيمانهم بالمسيح الذي جاء لإتمام شريعتهم ، ونشأ عن هذا النزاع عداوة اشتدت بها الأهواء والتعصب حتى صار كل فريق يطعن في دين الآخر ، وينفي عنه أن يكون له أصل من الحق ، ثم بين الله مدى جهلهم وعنادهم جميعا فقال سبحانه : وهم يتلون الكتاب . وهي جملة حالية ، والكتاب للجنس ، أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب ، إذ اليهود يقرؤون التوراة والنصارى يقرؤون الإنجيل ، وحق من حمل التوراة والإنجيل وغيرها من كتب الله وآمن بها ألا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني ، شاهد بصحته ، وكذلك كتب الله جميعا متواردة على تصديق بعضها بعضا .
كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم . أي مثل هذا القول الذي لم يبن على برهان ، قال الجهلة من عبدة الأوثان لأهل كل دين ، لستم على شيء ، والحق وراء هذه المزاعم ، فهو إيمان خالص وعمل صالح لو عرفه الناس حق المعرفة لما تفرقوا ولا اختلفوا في أصوله ، لكنهم تعصبوا لأهوائهم فاختلفوا وتفرقوا طرائق قددا .
فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون : صدرت هذه الجملة بالفاء ، لأن التوعد بالحكم بينهم يوم القيامة ، وإظهار ما أكنته ضمائرهم من الهوى والضلال ، متفرع من هذه المقالات ومسبب عنها ، وهو خبر المقصود منه التوبيخ والوعيد .
والضمير في بينهم ( راجع إلى الفرق الثلاث ، وقيل الضمير يعود على اليهود والنصارى ) .
قوله تعالى : فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون : أي أنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة ، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج في الآية 17 : إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد .
وكما قال تعالى : قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم( 277 ) .
ولم تصرح الآية الكريمة بماذا يحكم الله بينهم ، فإنه من المعلوم من مظاهر حكم الله يوم القيامة إثابة من كان على حق وعقاب من كان على باطل .
قال الزمخشري : فالله يحكم . بين اليهود والنصارى يوم القيامة ، بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه ، وعن الحسن : حكم الله أن يكذبهم ويدخلهم النار( 278 ) .
ولما أبطل دعوى اختصاصهم بالرحمة{[4482]} قدحاً منهم في غيرهم{[4483]} وأثبتها للمحسنين أتبع ذلك{[4484]} قدح كل فريق منهم في الآخر و{[4485]}بيان انتفائها عنهم بإساءتهم بإبطال كل فرقة منهم دعوى الأخرى مع ما يشهد به كتاب كل من بطلان قوله فقال : { وقالت اليهود ليست }{[4486]} أنث{[4487]} فعلهم لضعف قولهم وجمع أمرهم { النصارى على شيء } أي يعتد به لكونه صحيحاً ، وليس مخففة{[4488]} من وزن فرح{[4489]} ، ومعناها مطلق النفي لمتقدم إثبات أو مقدره - قاله الحرالي{[4490]} . { وقالت النصارى } كذلك{[4491]} { ليست اليهود على شيء }{[4492]} فعجب منهم في هذه الدعوى{[4493]} العامة لما قبل التبديل والنسخ وما بعده بقوله : { وهم }{[4494]} أي والحال أنهم{[4495]} { يتلون الكتاب } أي مع أن{[4496]} في كتاب كل منهم حقية أصل دين الآخر .
ثم شبه بهم في نحو هذا القول الجهلة الذين ليس لهم كتاب الذين هم عندهم ضلال ، وفي ذلك غاية العيب لهم لتسوية حالهم مع علمهم بحال الجهلة في القطع في الدين بالباطل كما سوى حالهم بهم في الحرص على الحياة في الدنيا ومنهم عبدة الأصنام الذين منهم العرب الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم من بلده ومنعوه من مسجد أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام الذي{[4497]} هو الحقيق به{[4498]} دونهم ، وساق ذلك جواب سائل كأنه قال : هذا قول العلماء بالكتاب فما حال من لا علم له ؟ فقال : { كذلك } أي مثل هذا القول البعيد عن القصد { قال الذين لا يعلمون } {[4499]}ولما كان صدور هذا من أهل العلم في غاية الغرابة وصدوره من الجهلة أغرب نبه تعالى{[4500]} على أن{[4501]} سامعه جدير بأن يقول لعده له عداد ما لا يصدق : كيف قال الجهلة ؟ فقال أو يقال : ولما كان قولهم هذا لا يكاد يصدق من شدة غرابته كان كأنه قيل : أحق كان هذا منهم حقيقة أم كنى به عن{[4502]} شيء آخر{[4503]} ؟ فأجيب{[4504]} بقوله :
{ كذلك } أي الأمر كما ذكرنا عنهم حقيقة لا كناية عن شيء غيره ، فلما استقر في النفس كان كأنه قيل : هل وقع هذا لأحد غيرهم ؟ فقيل : نعم ، وقع أعجب منه وهو أنه قال الجهلة " {[4505]}كعبدة الأصنام والمعطلة{[4506]} " { مثل قولهم } فعاندوا وضللوا المؤمنين أهل العلم بالكتاب الخاتم الذي لا كتاب مثله{[4507]} وضللوا أهل كل دين{[4508]} .
ولما وقع الخلاف بين هذه الفرق تسبب عنه حكم الملك الذي لم يخلقهم سُدى بينهم فقال : { فالله } " {[4509]}الملك الأعظم{[4510]} " { يحكم بينهم } والحكم قصر المصرَف على بعض ما يتصرف فيه وعن بعض ما تشوّف{[4511]} إليه - {[4512]}قاله الحرالي{[4513]} . وحقق أمر البعث بقوله : { يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } والآختلاف افتعال من الخلاف وهو تقابل{[4514]} بين رأيين فيما ينبغي انفراد الرأي فيه - قاله الحرالي{[4515]} .