وإذ ينتهي من عرض مقولة أهل الكتاب في ادعاء الولد لله - سبحانه - وتصحيح هذه المقولة وردها ، يتبعها بمقولة للمشركين فيها من سوء التصور ما يتسق مع سوء التصور عن أهل الكتاب :
( وقال الذين لا يعلمون : لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ! كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ) .
والذين لا يعلمون هم الأميون الذين كانوا مشركين ؛ إذ لم يكن لديهم علم من كتاب . وكثيرا ما تحدوا النبي [ ص ] أن يكلمهم الله أو أن تأتيهم خارقة من الخوارق المادية . . وذكر هذه المقولة هنا مقصود لبيان أن الذين من قبلهم - وهم اليهود وغيرهم - طلبوا مثل هذا من أنبيائهم . فلقد طلب قوم موسى أن يروا الله جهرة ، وطلبوا وتعنتوا في طلب الخوارق المعجزة . فبين هؤلاء وهؤلاء شبه في الطبيعة ، وشبه في التصور ، وشبه في الضلال :
فلا فضل لليهود على المشركين . وهم متشابهو القلوب في التصور والعنت والضلال :
( قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) . .
والذي يجد راحة اليقين في قلبه يجد في الآيات مصداق يقينه ، ويجد فيها طمأنينة ضميره . فالآيات لا تنشىء اليقين ، إنما اليقين هو الذي يدرك دلالتها ويطمئن إلى حقيقتها . ويهيء القلوب للتلقي الواصل الصحيح .
( وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون( 118 ) (
لولا : كلمة لحض الفاعل على الفعل وطلبه منه .
اليقين : هو العلم بالدليل والبرهان .
اختلف المفسرون في المراد من الذين لا يعلمون :
1- فقال ابن عباس هم اليهود ، ويؤيد هذا الرأي أن السياق من أول السورة في الحديث عن اليهود . وأن القرآن قد حكى عنهم سؤالهم لموسى عددا من للآيات على سبيل التعنت والمكابرة .
قال تعالى : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة . ( النساء : 153 ) .
وقال تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة . ( البقرة : 55 )
2- وقال مجاهد هم النصارى ، وهو اختيار ابن جرير الطبري لأن السياق فيهم ، قال ابن كثير : وفي هذا الكلام نظر ، أي فهو لا يسلم أمام المناقشة ، فليس النصارى وحدهم الذين قالوا تخذ الله ولدا . ( البقرة : 116 ) وإنما اليهود أيضا قالوا ذلك ، قال تعالى : وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله . ( التوبة : 30 ) .
3- وأكثر أهل التفسير على أن المراد من . الذين لا يعلمون : هم مشركو العرب ، ويؤيد هذا القول أن القرآن المكي قد حكى عنهم الكثير من التعنت والعتو وسؤالهم ما لا حاجة لهم به وإنما هو الكفر والمعاندة ، قال تعالى : وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أتي رسل الله ، الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون . ( الأنعام : 124 ) .
وقال تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . ( الإسراء : 90-93 )
وقال تعالى : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ( الفرقان : 21 ) .
وقد عبر القرآن عنهم بالذين لا يعلمون استهجانا لذكرهم لقبح ما صدر عنهم ، ولأن ما يحكى عنهم لا يصدر إلا عن الجهلاء .
ولا يبعد أن يكون المراد من الذين لا يعلمون جميع الطوائف المشركة من اليهود والنصارى والعرب ، ويكون الأميون من المشركين هم المقصودون قصدا أوليا ، فكثيرا ما تحدوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم الله أو تأتيهم خارقة من الخوارق المادية .
كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم : أي مثل هذه الأسئلة التي يراد بها التعنت قد قالها من قبلهم من الأمم السابقة ، أو من اليهود والنصارى .
إذ قالوا : أرنا الله جهرة . ( النساء : 153 )
وقالوا : لن نصبر على طعام واحد . ( البقرة : 61 ) .
وقالوا : هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ( المائدة : 112 ) .
وقالوا : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ( الأعراف : 138 ) .
تشابهت قلوبهم . أي : تشابهت قلوب السابقين مع قلوب اللاحقين في الكفر والإعراض عن الحق والعناد والمكابرة .
والمعنى : أن تشابه أقوالهم نابع من تشابه قلوبهم ، كما قال تعالى : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون .
قد بينا الآيات لقوم يوقنون : أي أننا لم نتركك بلا آية بل بينا للناس الآيات على يديك بما لا يدع مجالا للريب .
أي قد وضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها سؤال آخر وزيادة أخرى لمن أيقن وصدق واتبع الرسل وفهم ما جاءوا به من الله تبارك وتعالى ، وأما من ختم الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة فأولئك الذين قال الله فيهم : إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون*ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم . ( يونس : 96 ) .
ولما تقرر بما أنبأ{[4674]} من بديع آياته{[4675]} في منبث{[4676]} مصنوعاته أن عظمته تقصر عنها الأوهام وتنكص خاسئةً{[4677]} دونها نوافذ الأفهام عجب من الجرأة عليه بما استوى فيه حال الجهلة من العرب بالعلماء من أهل الكتاب تبكيتاً{[4678]} لهم وتنفيراً منهم بأنه لا حامل لهم{[4679]} على الرضى لأنفسهم بالنزول من أوج العلم إلى حضيض أهل الجهل إلا اتباع الهوى فقال :
{ وقال الذين لا يعلمون } أي ليس لهم علم من العرب { لولا } أي هلا { يكلمنا الله } أي يوجد{[4680]} كلامه لنا على ما له من جميع الصفات { أو تأتينا آية } أي على حسب اقتراحنا عادّين{[4681]} ما آتاهم من الآيات - على ما فيها من آية{[4682]} القرآن التي لا يوازيها{[4683]} آية أصلاً - عدماً .
ولما كان قولهم هذا جديراً{[4684]} بأن لا يصدق نبه عليه بقوله : { كذلك } أي الأمر كما ذكرنا عنهم{[4685]} . ولما كان كأنه قيل : هل وقع مثل هذا قط ؟ قيل : نعم ، وقع ما هو أعجب منه ، وهو أنه { قال الذين } {[4686]}ولما كان المراد بعض من تقدم أدخل الجار فقال{[4687]} : { من قبلهم } {[4688]}ممن ينسب إلى العلم من أهل الكتاب{[4689]} { مثل قولهم } ، ثم علله بقوله : { تشابهت قلوبهم } في هذا وإن كانت مختلفة باعتبار العلم ، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كما تعنت عليه تعنت على من قبله . ولما كان ذلك توقّع{[4690]} السامع الإخبار عن البيان فكان كأنه قيل : هل قالوا ذلك جهلاً أو عناداً ؟ فقيل : بل عناداً لأنا { قد بينا الآيات } في كل آية{[4691]} في الكتاب المبين المسموع والكتاب الحكيم المرئي . ولما كان يقع البيان خاصاً بأهل الإيقان قال : { لقوم يوقنون } وفيه بعث للشاك على تعاطي أسباب الإيقان ، وهو{[4692]} صفاء العلم عن كدر{[4693]} بطرق الريب{[4694]} لاجتماع شاهدي السمع والعين . قال{[4695]} الحرالي : وفيه إشارة لما حصل للعرب من اليقين ، كما قال سيد العرب علي رضي الله عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً . استظهاراً لما بطن من عالم الملكوت على ظاهر عالم الملك إكمالاً للفهم عن{[4696]} واضح هذا البيان الذي تولاه الله ومن اصطفاه الذي اشتمل عليه استتباع ضمير { بينا } ؛ وفي استواء العالم وغيره في الجهل بعد البيان دليل على مضمون التي قبلها في أن ما أراد كان .