ثم ينتقل بهم إلى حقيقة كونية أخرى ، يواجههم بها كما واجههم بحقيقة الخلق الأولى :
( أم من جعل الأرض قرارا ، وجعل خلالها أنهارا ، وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ? ) . .
لقد كانت الحقيقة الكونية الأولى هي حقيقة خلق السماوات والأرض . أما هذه فهي الهيئة التي خلق عليها الأرض . لقد جعلها قرارا للحياة ، مستقرة مطمئنة صالحة يمكن أن توجد فيها الحياة وتنمو وتتكاثر . ولو تغير وضعها من الشمس والقمر ؛ أو تغير شكلها ، أو تغير حجمها ، أو تغيرت عناصرها والعناصر المحيطة في الجو بها ، أو تغيرت سرعة دورتها حول نفسها ، أو سرعة دورتها حول الشمس ، أو سرعة دورة القمر حولها . . . إلى آخر هذه الملابسات الكثيرة التي لا يمكن أن تتم مصادفة ، وأن تتناسق كلها هذا التناسق . . لو تغير شيء من هذا كله أدنى تغيير ، لما كانت الأرض قرارا صالحا للحياة .
وربما أن المخاطبين إذ ذاك لم يكونوا يدركون من قوله تعالى : ( أم من جعل الأرض قرارا ? )كل هذه العجائب . ولكنهم كانوا يرون الأرض مستقرا صالحا للحياة على وجه الإجمال ؛ ولا يملكون أن يدعوا أن أحدا من آلهتهم كان له شرك في خلق الأرض على هذا المنوال . وهذا يكفي . ثم يبقى النص بعد ذلك مفتوحا للأجيال وكلما اتسع علم البشر أدركوا شيئا من معناه الضخم المتجدد على توالي الأجيال . وتلك معجزة القرآن في خطابه لجميع العقول ، على توالي الأزمان !
( أم من جعل الأرض قرارا . وجعل خلالها أنهارا ? ) . .
والأنهار في الأرض هي شرايين الحياة ، وهي تنتشر فيها إلى الشرق وإلى الغرب ، وإلى الشمال وإلى الجنوب ، تحمل معها الخصب والحياة والنماء . والأنهار تتكون من تجمع مياه الأمطار وجريانها وفق طبيعة الأرض . والله الذي خلق هذا الكون هو الذي قدر في تصميمه إمكان تكون السحب ، ونزول المطر ، وجريان الأنهار . وما يملك أحد أن يقول : إن أحدا سوى الخالق المدبر قد شارك في خلق هذا الكون على هذا النحو ؛ وجريان الأنهار حقيقة واقعة يراها المشركون . فمن ذا أوجد هذه الحقيقة ? ( أإله مع الله ? ) .
والرواسي : الجبال . وهي ثابتة مستقرة على الأرض . وهي في الغالب منابع الأنهار ، حيث تجري منها مياه الأمطار إلى الوديان ؛ وتشق مجراها بسبب تدفقها من قمم الجبال العالية بعنف وقوة .
والرواسي الثابتة تقابل الأنهار الجارية في المشهد الكوني الذي يعرضه القرآن هنا والتقابل التصويري ملحوظ في التعبير القرآني وهذا واحد منه . لذلك يذكر الرواسي بعد الأنهار .
( وجعل بين البحرين حاجزا ) . .
البحر الملح الاجاج ، والنهر العذب الفرات . سماهما بحرين على سبيل التغليب من حيث مادتهما المشتركة وهي الماء . والحاجز في الغالب هو الحاجز الطبيعي ، الذي يجعل البحر لا يفيض على النهر فيفسده . إذ أن مستوى سطح النهر أعلى من مستوى سطح البحر . وهذا ما يحجز بينهما مع أن الأنهار تصب في البحار ، ولكن مجرى النهر يبقىمستقلا لا يطغى عليه البحر . وحتى حين ينخفض سطح النهر عن سطح البحر لسبب من الأسباب فإن هذا الحاجز يظل قائما من طبيعة كثافة ماء البحر وماء النهر . إذ يخف ماء النهر ويثقل ماء البحر فيظل مجرى كل منهما مميزا لا يمتزجان ولا يبغي أحدهما على الآخر . وهذا من سنن الله في خلق هذا الكون ، وتصميمه على هذا النحو الدقيق .
فمن فعل هذا كله ? من ? ( أإله مع الله ? ) . .
وما يملك أحد أن يدعي هذه الدعوى . ووحدة التصميم أمامه تجبره على الاعتراف بوحدة الخالق . . ( بل أكثرهم لا يعلمون ) . .
ويذكر العلم هنا لأن هذه الحقيقة الكونية تحتاج إلى العلم لتملي الصنعة فيها والتنسيق ، وتدبر السنة فيها والناموس . ولأن التركيز في السورة كلها على العلم [ كما ذكرنا في تلخيص السورة في الجزء الماضي ] .
قرارا : مكانا يقر عليه الإنسان وغيره ، بمعنى يستقرّ .
خلالها : بين جهاتها المختلفة .
حاجزا : مانعا بين العذب والملح حتى لا يبغي أحدهما على الآخر .
61- { أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون }
من الذي جعل الأرض مستقرة ليتمكن الإنسان من الحياة عليها ، والاستفادة بخيراتها ، إن موقع الأرض ودورانها حول نفسها ، ودورانها حول الشمس ، وموقعها من القمر ، وحركة الشمس التي ترسل أشعتها على المحيطات فيتصاعد البخر ويتشكل السحاب والرياح ، والأمطار التي تصبّ بقدرة الله في مكان ، وتصرف عن مكان : كل هذا الإعمار والتقدير والتكامل في الكون لابد أن يلفت أنظاركم وعقولكم وتأملكم لتسألوا أنفسكم : من الذي بسط الأرض وجعلها قرارا ؟ من الذي سخر خلالها أنهارا ليشرب منها الإنسان والحيوان والنبات ؟ من الذي خلق الجبال الرواسي بحكمة عالية ، ونشرها على سطح الأرض لحفظ توازنها ، واحتباس الأمطار في رءوس الجبال في الشتاء ، ليستفيد منها الإنسان في الصيف ، وللجبال منافع عدة ، ففوق رءوسها هبطت الرسالات ، وفيها ملجأ للهارب ، وأمطارها وسيلة للسقي والريّ لوديان لا تصعد إليها المياه ، وغير ذلك من المنافع .
{ وجعل بين البحرين حاجزا . . }
أي : خلق المحيطات وفيها مياه مالحة لحياة السمك والمعادن واللآلئ والحيتان ، وسفر البواخر والبوارج ، ولو كانت مياهها عذبة لأنتنت وتلوث الهواء ، وجعل أنهار النيل ودجلة والفرات وغيرها من الأنهار للسقيا ونفع البلاد والعباد .
وهناك حاجز من قدرة الله بين العذب والملح ، فلا يطغى أحدهما على الآخر ، بل بينهما تكامل نظمته يد القدرة الإلهية ، قال تعالى : { مرج البحرين يلتقيان*بينهما برزخ لا يبغيان } [ الرحمان : 19 ، 20 ] أي خلق البحرين العذب والملح ، وجعل بينهما حاجزا من القدرة الإلهية ، فلا يطغى أحدهما على الآخر .
أي : أبعد كل هذه الأعمال الجليلة التي أبدعها الله وحده ، تعتقدون أن معه آلهة أخرى كالأصنام والأوثان ؟ والاستفهام هنا إنكاري لعبادتهم غير الله .
أي : أكثر هؤلاء الكافرين لا يعلمون ما يتحتم عليهم معرفته من العلم الحق ، الذي يوجب عليهم إخلاص عبوديتهم لله سبحانه وتعالى .
ولما فرغ من آية اشترك فيها الخافقان ، ذكر ما تتفرد به الأرض ، لأنها اقرب إليهم وهم بحقيقتها وما لابسوه من أحوالها أعلم منهم بالأمور السماوية ، تعديداً للبراهين الدالة على تفرده بالفعل الدال على تفرده بالإلهية ، فقال مبدلاً من { أمَّن خلق } : { أمَّن } أي أم فعل ذلك الذي { جعل الأرض قراراً } أي مستقرة في نفسها ليقر عليها غيرها ، وكان القياس يقتضي أن تكون هاوية أو مضطربة كما يضطرب ما هو معلق في الهواء .
ولما ذكر قرارها ، أتبعه دليله في معرض الامتنان فقال : { وجعل خلالها } أي في الأماكن المنفرجة بين جبالها { أنهاراً } أي جارية على حالة واحدة ، فلو اضطربت الأرض أدنى اضطراب ، لتغيرت مجاري المياه بلا ارتياب .
ولما ذكر الدليل ، ذكر سبب القرار فقال : { وجعل لها رواسي } أي كمراسي السفن ، كانت أسباباً في ثباتها على ميزان دبره سبحانه في مواضع من أرجائها بحيث اعتدلت جميع جوانبها فامتنعت من الاضطراب .
ولما أثبت القرار وسببه ، وكان قد جعل سبحانه للأنهار طرقاً تتصرف فيها ولو حبسها عن الجري شيء لأوشك أن تستبحر ، فيصير أكثر الأرض لا ينتفع به في سير ولا نبات ، أو أن تخرق ذلك الحابس بما لها من قوة الجري وشدة النفوذ بلطافة السريان ، لأن من عادة المياه التخلل بين أطباق التراب والتغلغل بما لها من اللطافة والرقة ، والثقل في الأعماق ولو قليلاً قليلاً ، وكان سبحانه قد سد ما بين البحرين : الرومي والفارسي ، وكان ما بينهما من الأرض إنما هو يسير جداً في بعض المواضع ، وكان بعض مياه الأرض عذباً ، وبعضه ملحاً ، مع القرب جداً من ذلك العذب ، سألهم - تنبيهاً لهم على عظيم القدرة - عن الممسك لعدوان أحدهما على آخر ، ولعدوان كل من خليجي الملح على ما بينهما لئلا يخرقاه فيتصلا فقال : { وجعل بين البحرين حاجزاً } أي يمنع أحدهما أن يصل إلى الآخر .
ولما كان من المعلوم أنه الله وحده . ليس عند عاقل شك في ذلك ، كرر الإنكار في قوله : { أإله مع الله } أي المحيط علماً وقدرة . ولما كان الجواب الحق قطعاً : لا ، وكان قد أثبت لهم في الإضراب الأول علماً من حيث الحكم على المجموع ، وكان كل منهم يدعي رجحان العقل ، وصفاء الفكر ، ورسوخ القدم في العلم بما يدعيه العرب ، قال : { بل أكثرهم } أي الخلق الذين ينتفعون بهذه المنافع { لا يعلمون* } أي ليس لهم نوع من العلم ، بل هم كالبهائم لإعراضهم عن هذا الدليل الواضح .