فأما مريم الفتاة الطاهرة العذراء المقيدة بمألوف البشر في الحياة ، فقد تلقت البشارة كما يمكن أن تتلقاها فتاة . واتجهت إلى ربها تناجيه وتتطلع إلى كشف هذا اللغز الذي يحير عقل الإنسان :
( قالت : رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ؟ ) . .
وجاءها الجواب ، يردها إلى الحقيقة البسيطة التي يغفل عنها البشر لطول الفتهم للأسباب والمسببات الظاهرة لعلمهم القليل ، ومألوفهم المحدود :
( قال : كذلك الله يخلق ما يشاء . إذا قضى أمرا فإنما يقول له : كن فيكون ) . .
وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب ، وتزول الحيرة ، ويطمئن القلب ؛ ويعود الإنسان على نفسه يسألها في عجب : كيف عجبت من هذا الأمر الفطري الواضح القريب ! !
وهكذا كان القرآن ينشىء التصور الإسلامي لهذه الحقائق الكبيرة بمثل هذا اليسر الفطري القريب . وهكذا كان يجلو الشبهات التي تعقدها الفلسفات المعقدة ، ويقر الأمر في القلوب وفي العقول سواء . .
47- { قالت ربي أني يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } .
ولم يمسسني بشر : المس هنا كناية عن الجماع .
تلقت مريم البشارة كما يمكن ان تتلقاه فتاة واتجهت إلى ربها تناجيه وتتطلع إلى كشف هذا اللغز الذي يحير عقل الإنسان .
و من أين لي ولد ولم يتصل بي بشر والمولود لا يولد إلا من نكاح او من سفاح وأنا لم أتزوج زواجا حلالا ولست من اهل البغي والسفاح .
وفي سورة ومريم : { قالت أني يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ( مريم 20-21 ) .
لقد بلغنا جبريل ان الله يفعل بما يشاء ولو خالف القياس بدون معاناة ولا صعوبة ولا يحتاج تحقيق المراد إلى قوله تعالى : " كن " بل يكفي ان يريده الله فيحققه في الحين الذي أراده سبحانه فيه والأمر بكل محمول عند الأكثرين على انه تمثيل لتأثير قدرته تعالى في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور به من غير امتناع ولا توقف وأجاز بعضهم أن يكون ذلك على الحقيقة بان يتعلق كلام الله النفسي الذي هو بمعنى كن على ما أراد الله تكوينه فيكون ويحدث .
وكأنها{[17101]} لما سمعت ذلك امتلأت تعجباً فاستخفها{[17102]} ذلك إلى الاستعجال{[17103]} بالسؤال قبل إكمال المقال بأن
{ قالت{[17104]} رب } أيها المحسن إلى { أنّى }{[17105]} أي من أين وكيف{[17106]} { يكون لي } ولما كان استبعادها لمطلق الحبل ، لا بقيد{[17107]} كونه ذكراً كما في قصة زكريا عليه السلام قالت{[17108]} { ولد } وقالت : { ولم يمسسني بشر } لفهمها ذلك من نسبته إليها فقط{[17109]} . قال الحرالي : والبشر هو اسم المشهود من الآدمي في جملته بمنزلة الوجه في أعلى قامته{[17110]} ، من معنى البشرة ، وهو ظاهر الجلد انتهى{[17111]} ( ولعل هذا الكلام خطر لها ولم تلفظ به فعلم الملك عليه السلام أنه شغل فكرها فأجابها عنه لتفريغ{[17112]} الفهم بأن { قال كذلك } أي مثل هذا الفعل{[17113]} العظيم الشأن العالي الرتبة{[17114]} يكون ما بشرتك به{[17115]} ) ولما كان استبعادها لمطلق التكوين من غير سبب أصلاً عبر{[17116]} في تعليل ذلك بالخلق فقال : { الله }{[17117]} أي الملك الأعظم الذي لا اعتراض عليه{[17118]} { يخلق } أي يقدر ويصنع ويخترع { ما يشاء } فعبر بالخلق إشارة إلى أن العجب{[17119]} فيه لا في مطلق الفعل كما في يحيى عليه السلام من جعل الشيخ كالشاب ، ثم علل ذلك بما بين سهولته فقال : { إذا قضى أمراً } أي جل أو قل { فإنما يقول له كن فيكون * } بياناً للكلمة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.