( ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ، وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله . وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم . إن في ذلك لآية لكم . إن كنتم مؤمنين )
ويفيد هذا النص أن رسالة عيسى - عليه السلام - كانت لبني إسرائيل ، فهو أحد أنبيائهم . ومن ثم كانت التوراة التي نزلت على موسى - عليه السلام - وفيها الشريعة المنظمة لحياة الجماعة الإسرائيلية ، والمتضمنة لقوانين التعامل والتنظيم ، هي كتاب عيسى كذلك ، مضافا إليها الإنجيل الذي يتضمن إحياء الروح وتهذيب القلب وإيقاظ الضمير .
والآية التي بشر الله أمه مريم أنها ستكون معه ، والتي واجه بها بالفعل بني إسرائيل هي معجزة النفخ في الموات فيدخله سر الحياة ، وإحياء الموتى من الناس ، وإبراء المولود الأعمى ، وشفاء الأبرص ، والإخبار بالغيب - بالنسبة له - وهو المدخر من الطعام وغيره في بيوت بني إسرائيل ، وهو بعيد عن رؤيته بعينه . .
وحرص النص على أن يذكر على لسان المسيح - عليه السلام - كما هو مقدر في غيب الله عند البشارة لمريم ، وكما تحقق بعد ذلك على لسان عيسى - أن كل خارقة من هذه الخوارق التي جاءهم بها ، إنما جاءهم بها من عند الله . وذكر إذن الله بعد كل واحدة منها تفصيلا وتحديدا ؛ ولم يدع القول يتم ليذكر في نهايته إذن الله زيادة في الاحتياط !
وهذه المعجزات في عمومها تتعلق بإنشاء الحياة أو ردها ، أو رد العافية وهي فرع عن الحياة . ورؤية غيب بعيد عن مدى الرؤية . . وهي في صميمها تتسق مع مولد عيسى ؛ ومنحه الوجود والحياة على غير مثال إلا مثال آدم - عليه السلام - وإذا كان الله قادرا أن يجري هذه المعجزات على يد واحد من خلقه ، فهو قادر على خلق ذلك الواحد من غير مثال . . ولا حاجة إذن لكل الشبهات والأساطير التي نشأت عن هذا المولد الخاص متى رد الأمر إلى مشيئة الله الطليقة ولم يقيد الإنسان الله - سبحانه - بمألوف الإنسان !
49- { ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفح فيه فيكون طيرا بإذن الله } .
الأبرص : من بجلده بقع بيضاء تخالف لون سائره .
لقد أرسل الله المسيح رسولا إلى بني إسرائيل وهذا يؤذن بخصوص بعثته إليهم روى ان الوحي آتاه وهو ابن ثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين ثم رفع إلى السماء .
{ أني قد جئتكم بأية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير } أي ويجعله الله رسولا إلى بني إسرائيل يخبرهم أني قد جئتكم ببرهان من ربكم على نبوتي هو أني أنشئ لكم من الطين تمثال كهيئة الطير وشكله فانفخ فيه فيكون بعد النفخ طيرا بأمر الله الذي جعل ذلك معجزة وبرهانا على انه أرسلني إليكم فإن مثل ذلك لا يقدر عليه البشر لانه مما اختص الله به فإذا أمكن الله بعض عباده من ذلك فذلك يعتبر تأييدا من الله له في دعوى الرسالة .
{ وأبرئ الأكمه والأبرص واحيي الموتى بإذن الله } وأشفي الأكمه الذي ولدته أمه أعمى فيصير بصيرا واشفي من بجلده برص وهو بياض يخالف لون سائر الجلد وهاتان العلتان أعجزتا الأطباء في عصر عيسى وقد كان الطب تقدما جدا في عهده فأراهم الله المعجزة من جنس ما برعوا فيه وقد جرت السنة ان تكون معجزة كل نبي من جنس ما اشتهر في زمنه .
فأعطى موسى العصا واليد البيضاء حيث كان المصريون قد برعوا في السحر وأعطى عيسى من المعجزات ما هو من جنس الطب الذي حذقه أطباء عصره وأعطى محمدا صلى الله عليه وسلم القرآن حيث كان العرب قد برعوا في البيان واشتهروا بالفصاحة والبلاغة وفنون القول .
وتنفيذ الآية ان قدرة المسيح على شفاء المرضى كانت بإذن الله وان إحياء الموتى كان بإذن الله .
وفي كل معجزة من هذه المعجزات كان المسيح يلجا إلى الله ويدعوه فيحقق الله دعاءه دون ممارسة الوسائل الطبية .
و الامر متعلق بإرادة الله وقدرته والله على كل شيء قدير .
{ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم } وأخبركم بما تأكلونه في بيوتكم ولم أشاهده وما تدخرونه للمستقبل من مال وطعام لا سبيل لي إلى عمله .
والمراد : الإخبار بهذين النوعين بخصوصهما وقيل المراد أنه يخبرهم بالمغيبات .
واقتصر على ذكر هذين الأمرين لحضورهما لديهم فلا يبقى لهم شبهة ولا شك
أن صدقه فيما أخبره به شاهد على صدقه في دعواه الرسالة إليهم .
{ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } إن في ذ لك لحجة ودلالة على صدقي في دعوى الرسالة إن كنتم مصدقين بآيات الله .
وقد ذكر في الإنجيل انه عليه السلام رد بصر أعميين في كفر ناحوم وأعمى في بيت صيدا ورجل ولد أعمى في أورشليم وشفى عشرة مصابين بالبرص في السامرة وابرأ أبرص في كفر ناحوم وأقام بن الأرملة من الموت في بلد نايين وأحيا ابنة جيروس في كفر ناحوم وألعازر في بيت عينا .
ولما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال بعد ما أفاد عظمتها بجعله{[17138]} ما مضى مقدمات لها : { ورسولاً } عطفاً على
" تالياً " المقدر ، أو ينصب بتقدير : يجعله{[17139]} { إلى بني إسراءيل } أي بالإنجيل . ولما كان ذكر الرسالة موجباً لتوقع الآية دلالة{[17140]} على صحتها ، وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ببيان{[17141]} الرسالة مقروناً بحرف التوقع{[17142]} فقال : { إني } أي{[17143]} ذاكراً أني { قد جئتكم بآية من ربكم } أي الذي طال إحسانه إليكم ، ثم أبدل من " آية "
{ إني أخلق لكم } أي لأجل تربيتكم بصنائع{[17144]} الله { من الطين } قال الحرالي : هو متخمر{[17145]} الماء والتراب حيث يصير متهيئاً{[17146]} لقبول وقوع الصورة فيه { كهيئة } وهي كيفية وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحس - انتهى{[17147]} وهي الصورة{[17148]} المتهيئة{[17149]} لما يراد{[17150]} منها{[17151]} { الطير } ثم ذكر احتياجه في إحيائه{[17152]} إلى معالجة بقوله{[17153]} معقباً للتصوير : { فأنفخ } قال الحرالي : من النفخ ، وهو إرسال الهواء من منبعثه بقوة انتهى{[17154]} . { فيه } أي في ذلك الذي هو مثل الهيئة { فيكون طيراً } أي طائراً بالفعل - كما في قراءة نافع ، وذكر المعالجة لئلا يتوهم أنه خالق حقيقة ، ثم أكد ذلك إزالة{[17155]} لجميع الشبه بقوله : { بإذن الله } أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال ، له روح كامل لحمله في الهواء تذكيراً بخلق آدم عليه السلام من تراب ، وإشارة إلى أن هذا أعجب من خلق آدمي{[17156]} من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك .
ولما ذكر ما يشبه أمر آدم عليه السلام أتبعه علاج أجساد أولاده بما يردها إلى معتادها بما يعجز أهل زمانه ، وكان الغالب عليهم الطب{[17157]} وبدأ بأجزائها{[17158]} فقال : { وأبرىء } قال الحرالي : من الإبراء وهو تمام التخلص من الداء ، والداء{[17159]} ما يوهن{[17160]} القوى ويغير الأفعال العامة للطبع والاختيار - انتهى .
( الأكمه والأبرص } بإيجاد ما فقد منهما من الروح المعنوي ؛ والكمه - قال الحرالي - ذهاب البصر في أصل الخلقة كالذي يولد أعمى أو يعمى قبل أن يميز الأشياء أو يدركها . والبرص أصل معناه : تلمع الشيء بلمع{[17161]} خلاف ما هو عليه ، ومنه براص الأرض - لبقع{[17162]} لا نبت فيها ، ومنه البريص في معنى البصيص ، فما تلمع من الجلد على غير حاله{[17163]} فهو لذلك{[17164]} برص وقال الحرالي : البرص عبارة عن{[17165]} سوء مزاج يحصل بسببه تكرج{[17166]} ، أي فساد بلغم يضعف القوة المغيرة{[17167]} عن إحالته{[17168]} إلى لون الجسد - انتهى .
ولما فرغ من رد الأرواح إلى أجزاء الجسم{[17169]} أتبعه رد الروح الكامل في جميعه المحقق لأمر البعث المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في بعض الآدميين فقال : { وأحيي الموتى } أي برد أرواحهم إلى أشباحهم ، بعضهم بالفعل وبعضهم بالقوة ، لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل ، وقد أعطاني قوة ذلك ، وهذا كما نقل القضاعي أن الحسن قال : " أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أنه طرح بنيّة له في وادي كذا{[17170]} ، فمضى معه إلى الوادي وناداها باسمها : يا فلانة ! أجيبي{[17171]} بإذن الله سبحانه وتعالى ! فخرجت وهي تقول : لبيك وسعديك ! فقال لها{[17172]} : إن أبويك قد أسلما {[17173]}فإن أحببت{[17174]} أردك إليهما{[17175]} ، فقالت : لا حاجة لي{[17176]} بهما ، وجدت الله خيراً لي منهما " وقد تقدم في البقرة عند{ أرني كيف تحيي{[17177]} الموتى }[ البقرة : 260 ] ما ينفع هنا ، وقصة قتادة ابن دعامة في رده صلى الله عليه وسلم عينه{[17178]} بعد أن أصابها{[17179]} سهم فسالت على خده ، فصارت أحسن من أختها شهيرة ، وقصة أويس القرني رحمه الله تعالى في إبراء الله سبحانه وتعالى له من البرص ببرّه{[17180]} لأمه كذلك{[17181]} .
ولما كان ذلك من أمر{[17182]} الإحياء الذي هو من خواص الإلهية وأبطن آيات الملكوتية ربما أورث لبساً في أمر الإله تبرأ منه ورده إلى من هو له ، مزيلاً للبس وموضحاً للأمر فقال{[17183]} مكرراً لما قدمه في مثله{[17184]} معبراً بما يدل على عظمه : { بإذن الله } أي بعلمه وتمكينه ، ثم{[17185]} أتبعه ما هو من جنسه في الإخراج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فقال : { وأنبئكم } أي من الأخبار الجليلة من عالم الغيب{[17186]} { بما تأكلون } أي مما لم أشاهده ، بل تقطعون{[17187]} بأني كنت غائباً عنه{[17188]} { وما تدخرون } ولما كان مسكن الإنسان أعز{[17189]} البيوت عنده وأخفى لما يريد{[17190]} أن يخفيه قال : { في بيوتكم } قال الحرالي : من الادخار : افتعال من الدخرة ، قلب حرفاه{[17191]} الدال{[17192]} لتوسط الدال{[17193]} بين تطرفهما في متقابلي حالهما ؛ والدخرة ما{[17194]} اعتنى بالتمسك به عدة لما شأنه أن يحتاج إليه فيه ، فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو ادخار ، وما كانت لتكسب{[17195]} فيما يكون{[17196]} من القوام فهو احتكار - انتهى .
ولما ذكر هذه{[17197]} الخوارق نبه على أمرها بقوله : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم { لآية لكم } أي أيها المشاهدون{[17198]} على أني عبد الله ومصطفاه ، فلا تهلكوا في تكويني من أنثى فقط فتطروني ، فإني لم أعمل شيئاً منها إلا ناسباً له إلى الله سبحانه وتعالى وصانعاً فيه ما يؤذن بالحاجة المنافية للإلهية ولو بالدعاء ، وأفرد{[17199]} كاف الخطاب أولاً لكون ما عده ظاهراً لكل أحد على انفراده أنه آية لجميع المرسل إليهم ، وكذا جمع{[17200]} ثانياً{[17201]} قطعاً لتعنت{[17202]} من قد يقول : إنها لا تدل إلا باجتماع أنظار{[17203]} جميعهم - {[17204]}لو جمع{[17205]} الأول ، وإنها ليست آية لكلهم بل لواحد منهم - لو وحد{[17206]} في الثاني ، ولما كانت الآيات لا تنفع مع المعاندات قال : { إن كنتم مؤمنين * } أي مذعنين بأن الله سبحانه وتعالى قادر على ما يريد ، وأهلاً لتصديق ما ينبغي التصديق به .