في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (6)

1

وفي ظلال العلم اللطيف الشامل الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يلمس المشاعر الإنسانية لمسة رفيقة عميقة ، تتعلق بالنشأة الإنسانية . النشأة المجهولة في ظلام الغيب وظلام الأرحام ، حيث لا علم للإنسان ولا قدرة ولا إدراك :

( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء . لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) . . . .

هكذا ( يصوركم ) . . يمنحكم الصورة التي يشاء ؛ ويمنحكم الخصائص المميزة لهذه الصورة . وهو وحده الذي يتولى التصوير ، بمحض إرادته ، ومطلق مشيئته : ( كيف يشاء ) . . ( لا إله إلا هو ) . . ( العزيز ) . . ذو القدرة والقوة على الصنع والتصوير( الحكيم ) . . الذي يدبر الأمر بحكمته فيما يصور ويخلق بلا معقب ولا شريك .

وفي هذه اللمسة تجلية لشبهات النصارى في عيسى عليه السلام ونشأته ومولده . فالله هو الذي صور عيسى . . ( كيف يشاء ) . . لا أن عيسى هو الرب . أو هو الله . أو هو الابن . أو هو الأقنوم اللاهوتي الناسوتي . إلى آخر ما انتهت إليه التصوارت المنحرفة الغامضة المجانبة لفكرة التوحيد الناصعة الواضحة اليسيرة التصور القريبة الإدراك !

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (6)

6- { هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء } .

يصوركم : يخلقكم على ما يشاء من صورة .

الأرحام : جمع رحم وهي مكان الحمل مشتق من الرحمة .

هو الذي يمنحكم الصورة التي يشاء ويمنحكم الخصائص المميزة لهذه الصورة وهو وحده الذي يتولى التصوير بمحض إرادته ومطلق مشيئته .

قال أبو السعود في التفسير :

( يصوركم كائنين على مشيئته تعالى تابعين لها في قبول الأحوال المتغايرة من كونكم نطفا ثم علقا ثم مضغا غير مخلقة ثم مخلقة وفي الاتصاف بالصفات المختلفة من الذكورة والأنوثة والحسن والقبح وغير ذلك من الصفات ) .

{ لا إله إلا ه } إذ لا يتصف بشيء مما ذكر من الشؤون العظيمة الخاصة بالألوهية أحد ليتوهم ألوهيته .

{ العزيز الحكيم } المتناهي في القدرة والحكمة ولذلك يخلقكم على ما ذكر من النمط البديع .

و في هذه اللمسة تجلية لشبهات النصارى في عيسى عليه السلام ونشأته ومولده فالله هو الذي صور عيسى ( كيف يشاء ) لا إن عيسى هو الرب او هو الابن أو هو الأقنوم اللاهوتي الناسوتي إلى آخر ما انتهت إليه التصورات المنحرفة الغامضة المجانية لفكرة التوحيد .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ} (6)

ولما قرر سبحانه وتعالى شمول علمه أتبعه دليله{[14610]} من تمام قدرته فقال : وقال الحرالي : ولما كان كل تفصيل{[14611]} يتقدمه بالرتبة مجمل{[14612]} جامع ، وكانت تراجم السورة موضع الإجمال ليكون تفصيلها موضع التفاصيل ، وكان من المذكور في سورة الكتاب ما وقع من اللبس كذلك كان في هذه السورة التي ترجمها جوامع إلهية ما وقع من اللبس{[14613]} في أمر الإلهية في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ، فكان في هذه الآية الجامعة توطئة لبيان الأمر في شأنه عليه السلام من حيث إنه مما صور في الرحم{[14614]} وحملته الأنثى ووضعته ، وأن جميع ما حوته السماء والأرض لا ينبغي أن{[14615]} يقع فيه لبس{[14616]} في أمر الإلهية ؛ انتهى فقال مبيناً أمر قدرته بما لا يقدر عليه عيسى عليه الصلاة والسلام ولا غيره : { هو } أي وحده { الذي } وقرعهم بصرف القول من الغيبه إلى الخطاب ليعظم تنبههم على ما هم فيه من قهر المصور لهم على ما أوجدهم عليه مما يشتهونه و{[14617]} لا يفقهونه فقال : { يصوركم } أي بعد أن كنتم نطفاً من التصوير وهو إقامة الصورة . وهي تمام البادي التي{[14618]} يقع عليها حس{[14619]} الناظر لظهورها ، فصورة{[14620]} كل شيء تمام بدوه{[14621]} قال الحرالي : { في الأرحام } أي التي لا اطلاع لكم عليها بوجه ، ولما كان التصوير في نفسه أمراً معجباً وشيناً{[14622]} للعقل إذا تأمله وإن كان قد هان لكثرة{[14623]} {[14624]} الإلف باهراً{[14625]} {[14626]} فكيف بأحواله المتباينة{[14627]} وأشكاله المتخالفة المتباينة{[14628]} أشار إلى التعجب من أمره وجليل سره بآلة الاستفهام وإن قالوا : إنها في هذا{[14629]} الوطن شرط ، فقال : { كيف } أي كما { يشاء } أي على أي حالة أراد ، سواء عنده كونكم من نطفتي ذكر وأنثى أو نطفة أنثى وحدها{[14630]} دليلاً على كمال العلم والقيومية ، وإيماء إلى أن من صور في الأرحام كغيره من العبيد لا يكون إلا عبداً ، إذ الإله{[14631]} متعال عن ذلك لما فيه من أنواع{[14632]} الاحتياج والنقص . وقال الحرالي : فكان في إلاحة هذه الآية توزيع{[14633]} أمر الإظهار على ثلاثة{[14634]} وجوه تناظر وجوه التقدير{[14635]} الثلاثة التي في فاتحة{[14636]} سورة البقرة ، فينتج{[14637]} هدى وإضلالاً وإلباساً أكمل الله به وحيه ، كما أقام بتقدير الإيمان والكفر والنفاق خلقه فطابق الأمر الخلق فأقام الله سبحانه وتعالى بذلك قائم خلقه وأمره ، فكان في انتظام هذه الإفهامات أن{[14638]} بادي الأحوال الظاهرة عند انتهاء الخلق إنما ظهرت لأنها مودعة في أصل التصوير فصورة نورانية يهتدي بها وصورة ظلمانية يكفر لأجلها ، وصورة ملتبسة عيشية علمية يفتتن{[14639]} ويقع الإلباس والالتباس{[14640]} من جهتها ، مما لا يفي ببيانها إلا الفرقان المنزل على هذه الأمة ، ولا تتم إحاطة جميعها إلا في القرآن المخصوصة{[14641]} به أئمة هذه الأمة انتهى .

فقد علم أن التصوير في الرحم أدق شيء علماً وقدرة ، فعلم فاعله بغيره والقدرة عليه من باب الأولى فثبت{[14642]} أنه لا كفوء له ؛ فلذلك وصل به كلمة الإخلاص وقال الحرالي : ولما تضمنت إلاحة هذه الآية ما تضمنته من الإلباس والتكفير أظهر سبحانه وتعالى كلمة الإخلاص ليظهر نورها أرجاس تلك الإلباسات وتلك التكفيرات فقال : { لا إله إلا هو } إيذاناً بما هي له الإلباس{[14643]} والتكفير{[14644]} من وقوع الإشراك بالإلهية والكفر فيها والتلبس والإلتباس في أمرها ؛ فكان في طي هذا التهليل بشرى بنصرة{[14645]} أهل الفرقان وأهل القرآن على أهل الالتباس والكفران{[14646]} وخصوصاً على أهل الإنجيل الذين ذكرت كتبهم{[14647]} صريحاً في هذا التنزيل بل{[14648]} يؤيد إلاحته في التهليل إظهار الختم في هذه الآية بصفتي العزة المقتضية للانتقام من أهل عداوته والحكمة المقتضية{[14649]} لإكرام أهل ولايته ؛ انتهى فقال : { العزيز } أي الغالب غلبة{[14650]} لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة{[14651]} ولا انفلات{[14652]} ، ولا معجز له في إنفاذ{[14653]} شيء من أحكامه { الحكيم * } أي الحاكم بالحكمة ، فالحكم{[14654]} المنع عما يترامى إليه المحكوم عليه وحمله{[14655]} على ما يمتنع منه من جميع أنواع الصبر ظاهراً بالسياسة العالية نظراً له ، والحكمة العلم{[14656]} بالأمر الذي لأجله وجب الحكم{[14657]} من قوام أمر العاجلة وحسن العقبى في الآجلة ؛ ففي ظاهر ذلك الجهد ، وفي باطنه الرفق ، وفي عاجله الكره ، وفي آجله{[14658]} الرضى والروح ؛ ولايتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة{[14659]} العلم ، فبذلك يكون تنزيل أمر العزة على وزن الحكمة قاله الحرالي بالمعنى{[14660]} .


[14610]:من ظ، وفي الأصل: دليل.
[14611]:من ظ، وفي الأصل: يفصل.
[14612]:من ظ، وفي الأصل: مجل.
[14613]:من ظ، وفي الأصل: لبسه.
[14614]:زيد من ظ.
[14615]:من ظ، وفي الأصل: لمن.
[14616]:في ظ: ليس.
[14617]:تكرر في ظ.
[14618]:من ظ، وفي الأصل: الذي.
[14619]:من ظ، وفي الأصل: حسن.
[14620]:من ظ، وفي الأصل: فصوره.
[14621]:في ظ: بدره.
[14622]:من ظ، وفي الأصل: سبا.
[14623]:في ظ: بكثرة.
[14624]:في الأصل: للالف ما هو، والتصحيح من ظ، غير أن فيه: باهرا ـ كذا.
[14625]:ي الأصل: للألف ما هو، والتصحيح من ظ، غير أن فيه: باهرا ـ كذا.
[14626]:ن ظ، وقد أخرها في الأصل عن "بآلة الاستفهام".
[14627]:من ظ، وقد أخرها في الأصل عن "بآلة الاستفهام".
[14628]:في ظ: المتنايبة.
[14629]:من ظ، وفي الأصل: هذه.
[14630]:في ظ: وجدها.
[14631]:في ظ: لاله.
[14632]:زيد من ظ.
[14633]:من ظ، وفي الأصل: توزيع.
[14634]:زيد بعده في الأصل: أوجه. ولم تكن الزيادة في ظ فحذفناها.
[14635]:في ظ: التقرير.
[14636]:زيد من ظ.
[14637]:في الأصل: فيايح، وفي ظ: فسح ـ كذا.
[14638]:في ظ: أي.
[14639]:من ظ، وفي الأصل: تعيين ـ كذا.
[14640]:في الأصل: الانقياس، وفي ظ: الالباس.
[14641]:في ظ: المخصوص.
[14642]:من ظ، وفي الأصل: بكتب.
[14643]:زيد من ظ.
[14644]:في ظ: والتكفرر.
[14645]:في الأصل : مصر، وفي ظ: تبصرة.
[14646]:من ظ، وفي الأصل: والكفرات.
[14647]:في ظ: قلوبهم.
[14648]:زيد من ظ.
[14649]:في ظ: المقضية.
[14650]:في الأصل وظ: عليه ـ كذا.
[14651]:في ظ: مرافعته.
[14652]:من ظ: وفي الأصل: انقلاب.
[14653]:من ظ، وفي الأصل: ابقاه ـ كذا.
[14654]:في ظ: فالحكمة.
[14655]:ي الأصل وظ: جملة.
[14656]:ي ظ: بالعلم.
[14657]:من ظ، وفي الأصل: الحلم.
[14658]:في ظ: أمله.
[14659]:في ظ: سفه.
[14660]:من ظ، وفي الأصل: فالمعنى.