في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (78)

65

ثم يمضي في عرض نماذج من أهل الكتاب ؛ فيعرض نموذج المضللين ، الذي يتخذون من كتاب الله مادة للتضليل ، يلوون السنتهم به عن مواضعه ، ويؤولون نصوصه لتوافق أهواء معينة ، ويشترون بهذا كله ثمنا قليلا . . عرضا من عرض هذه الحياة الدنيا : ومن بين ما يلوون السنتهم به ويحرفونه ويؤولونه ما يختص بمعتقداتهم التي ابتدعوها عن المسيح عيسى بن مريم ، مما اقتضته أهواء الكنيسة وأهواء الحكام سواء :

وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ، ويقولون : هو من عند الله وما هو من عند الله ، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون . ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ، ثم يقول للناس . كونوا عبادا لي من دون الله . ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون . ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا . أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ؟ . .

وآفة رجال الدين حين يفسدون ، أن يصبحوا أداة طيعة لتزييف الحقائق باسم أنهم رجال الدين . وهذهالحال التي يذكرها القرآن عن هذا الفريق من أهل الكتاب ، نعرفها نحن جيدا في زماننا هذا . فهم كانوا يؤولون نصوص كتابهم ، ويلوونها ليا ، ليصلوا منها إلى مقررات معينة ، يزعمون أنها مدلول هذه النصوص ، وإنها تمثل ما أراده الله منها . بينما هذه المقررات تصادم حقيقة دين الله في أساسها . معتمدين على أن كثرة السامعين لا تستطيع التفرقة بين حقيقة الدين ومدلولات هذه النصوص الحقيقية ، وبين تلك المقررات المفتعلة المكذوبة التي يلجئون إليها النصوص إلجاء .

ونحن اليوم نعرف هذا النموذج جيدا في بعض الرجال الذين ينسبون إلى الدين ظلما ! الذين يحترفون الدين ، ويسخرونه في تلبية الأهواء كلها ؛ ويحملون النصوص ويجرون بها وراء هذه الأهواء حيثما لاح لهم أن هناك مصلحة تتحقق ، وأن هناك عرضا من أعراض هذه الحياة الدنيا يحصل ! يحملون هذه النصوص ويلهثون بها وراء تلك الأهواء ، ويلوون اعناق هذه النصوص ليا لتوافق هذه الأهواء السائدة ؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه ليوافقوا بينه وبين اتجاهات تصادم هذا الدين وحقائقه الأساسية . ويبذلون جهدا لاهثا في التمحل وتصيد أدنى ملابسة لفظية ليوافقوا بين مدلول آية قرآنية وهوى من الأهواء السائدة التي يهمهم تمليقها . . ( ويقولون هو من عند الله . وما هو من عند الله . ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) . . كما يحكي القرآن عن هذا الفريق من أهل الكتاب سواء . فهي آفة لا يختص بها أهل الكتاب وحدهم . إنما تبتلى بها كل أمة يرخص دين الله فيها على من ينتسبون إليه حتى ما يساوي إرضاء هوى من الأهواء التي يعود تمليقها بعرض من أعراض هذه الأرض ! وتفسد الذمة حتى ما يتحرج القلب من الكذب على الله ، تحريف كلماته عن مواضعها لتمليق عبيد الله ، ومجاراة أهوائهم المنحرفة ، التي تصادم دين الله . . وكأنما كان الله - سبحانه - يحذر الجماعة المسلمة من هذا المزلق الوبيء ، الذي انتهى بنزع أمانة القيادة من بني إسرائيل .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (78)

{ وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون }

المفردات :

يلوون بألسنتهم بالكتاب : يميلونها بالكتاب عدولا به عن الحق تحريفا او تأويلا .

واللي : الميل يقال لوي برأسه إذا أماله والكتاب والتوراة والإنجيل .

التفسير :

78- { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهو يعلمون } .

روى الضحاك عن ابن عباس : ان الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا وذلك انهم حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا بكتاب الله تعالى ما ليس منه .

والمعنى :

وإن من أهل الكتاب الخائنين جماعة من علمائهم يحرفون كلام الله ويميلون به عن القصد لتظنوا أيها المسلمون حينما تسمعونهم ان ما حرفوه من صميم كتابهم الذي أنزله الله على رسولهم . وما هو - في الحقيقة - من الكتاب بل من كلامهم ويؤكدون نسبته على الكتاب بقولهم : { هو من عند الله } بل من عند أنفسهم { ويقولون على الله الكذب } بنسبته إليهم { وهم يعلمون } انهم عليه سبحانه يكذبون وكما وقع التحريف في القراءة وقع في تأويل النصوص في الكتابة .

ولهذا ترى النتاقض والتكاذب والتهافت بين نسخها .

فمن يقرأ الأناجيل الأربعة يجد الاختلاف بينها واسع النطاق وبخاصة فيما تورده عن صلب المسيح عليه السلام وكذلك التوراة .

وأما احتجاج الرسول بقوله : { فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين } ( آل عمران 93 ) .

فيحمل على ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم ببقاء بعض ما يفي بالغرض سالما عن التغيير فإنهم لم يغيروا جميع ما في التوراة إما لجهلهم بدلالة ما بقي من المقصود أو لصرف الله إياهم تغييره .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} (78)

ولما نسبهم إلى الكذب عموماً نبه على نوع خاص{[18044]} منه هو أكذب الكذب فقال : { وإن منهم لفريقاً } أي جبلوا على الفرقة ، فهم لا يزالون يسعون في التفريق{[18045]} { يلوون } أي يفتلون ويحرفون{[18046]} { ألسنتهم بالكتاب } بأن ينقلوا{[18047]} اللسان لتغيير{[18048]} الحرف{[18049]} من مخرج إلى آخر - مثلاً بأن يقولوا في{ اعبدوا الله{[18050]} }[ المائدة : 72 وغيرها ] : اللات ، وفي

{ لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق }[ الأنعام : 151 ] بالحد ، وفي " من زنى فارجموه " فارحموه{[18051]} بالمهملة ، أو فحمموه ، أو اجلدوه{[18052]} - ونحو هذا .

ولما كان كلام الله سبحانه وتعالى لما له من الحلاوة والجلالة لا يلبس{[18053]} بغيره إلا على{[18054]} ضعيف العقل ناقص الفطرة عبر بالحسبان تنفيراً{[18055]} عن السماع منهم وتنبيهاً{[18056]} على بعد{[18057]} ما يسمعه{[18058]} الإنسان من غيره فقال :

{ لتحسبوه{[18059]} } أي الذي لوى{[18060]} به اللسان فحرف{[18061]} { من الكتاب } أي{[18062]} المنزل من عند الله ، ولما علم بهذه أنه ليس منه نبه على أنه في غاية البعد عنه فقال{[18063]} : { ما هو من الكتاب } أعاده{[18064]} ظاهراً تصريحاً بالتعميم .

ولما كان{[18065]} إيهامهم{[18066]} هذا من الجرأة بمكان أعلم سبحانه وتعالى أنهم {[18067]}تجاوزوا{[18068]} إلى ما هو أعظم منه فصرحوا بما أوهموه فقال : { ويقولون } أي مجددين التصريح بالكذب في كل وقت بأن يقولوا{[18069]} { وهو من عند الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال ، ثم صرح بكذبهم بقوله - مبعداً لما لووا به ألسنتهم عن أن يكون فيه ثبوت{[18070]} حق مظهراً في موضع الإضمار لأن الاسم الذي لم{[18071]} يشارك فيه أحد بوجه{[18072]} أنص{[18073]} على المراد وأنفى لكل احتمال : { وما هو } أي الذي لووا{[18074]} به ألسنتهم حتى أحالوه عن حقيقته { من عند الله } أي الذي له الإحاطة العامة ، فما لم يكن من عنده فلا حق فيه بوجه من الوجوه ، لا بكونه من الكتاب{[18075]} ولا من غيره .

ولما بين بهذا كذبهم على الله سبحانه وتعالى تصريحاً بعد أن قدم في الآية الأولى بيانه بما يظن تلويحاً أخبر بأن ذلك عادة لهم ، لا يقفون{[18076]} منه{[18077]} عند عد{[18078]} ، ولا ينحصرون فيه بحد ، فقال : { ويقولون على الله } أي الحائز{[18079]} لجميع العظمة جرأة منهم { الكذب } أي العام{[18080]} كما قالوا عليه هذا الكذب الخاص ، ولما كان الكذب قد يطلق على ما لم يتعمد ، بل وقع خطأ احترز عنه بقوله : { وهم يعلمون * } أي{[18081]} أنه كذب ، لا يشكون فيه .


[18044]:من ظ ومد، وفي الأصل: خاصا.
[18045]:من ظ ومد، وفي الأصل: الفرقة.
[18046]:في ظ: متحرفون.
[18047]:من ظ ومد، وفي الأصل: ينقلون.
[18048]:من مد، وفي الأصل وظ: لتغير.
[18049]:في ظ: الخوف.
[18050]:زيد بعده في ظ: في.
[18051]:زيد من مد.
[18052]:من ظ ومد، وفي الأصل: اجلدوا.
[18053]:في ظ: لا يانس.
[18054]:سقط من ظ ومد.
[18055]:في ظ: متعيرا.
[18056]:من مد، وفي الأصل وظ: فتنبيها.
[18057]:سقط من مد.
[18058]:سقط من مد.
[18059]:هكذا وقع هنا في مد وظ، وقد تقدم في الأصل على "ولما كان".
[18060]:في ظ: لذى.
[18061]:العبارة من "أي الذي" إلى هنا تأخرت في الأصل عن "ويقولون".
[18062]:سقط من مد.
[18063]:ما بين الحاجزين زيد من ظ ومد.
[18064]:في ظ: إعادة.
[18065]:سقط من ظ ومد.
[18066]:في ظ: إنها لهم، وفي مد: كأنهم ـ كذا.
[18067]:من ظ ومد، وفي الأصل: تجاوزوه على .
[18068]:من ظ ومد، وفي الأصل: تجاوزوه على .
[18069]:ما بين الحاجزين زيد من ظ ومد.
[18070]:في مد: يثوب.
[18071]:في ظ: لما.
[18072]:من ظ ومد، وفي الأصل: يوخذ.
[18073]:في ظ: أرض.
[18074]:في ظ: أووا.
[18075]:العبارة من هنا إلى "الأولى بيانه" سقطت من ظ.
[18076]:من مد، وفي الأصل وظ: لا يعفون.
[18077]:سقط من ظ.
[18078]:في ظ: عدد.
[18079]:من مد، وفي الأصل وظ: الجايز ـ كذا بالجيم.
[18080]:من ظ ومد، وفي الأصل: العامة.
[18081]:زيد من ظ ومد.