ويمضي في هذا التهديد خطوة أخرى ، للرد على ما كانوا يطلبونه من الآيات والخوارق حتى يصدقوا بهذا الكتاب . . وقد مضى مثل ذلك التهديد في أوائل السورة عند ما كانت المناسبة هناك مناسبة التكذيب بحقيقة الاعتقاد . وهو يتكرر هنا ، والمناسبة الحاضرة هي مناسبة الإعراض عن الاتباع والتقيد بشريعة الله : فقد جاء في أول السورة : ( وقالوا : لولا أنزل عليه ملك ! ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا يُنظرون ) . . وجاء هنا في آخرها :
( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك ، أو يأتي بعض آيات ربك ؟ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً : قل : انتظروا إنا منتظرون ) . .
إنه التهديد الواضح الحاسم . فقد مضت سنة الله بأن يكون عذاب الاستئصال حتماً إذا جاءت الخارقة ثم لم يؤمن بها المكذبون . . والله سبحانه يقول لهم : إن ما طلبوه من الخوارق لو جاءهم بعضه لقضي عليهم بعده . . وإنه يوم تأتي بعض آيات الله تكون الخاتمة التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل . . لنفس لم تؤمن من قبل ، ولم تكسب عملاً صالحاً في إيمانها . فالعمل الصالح هو دائماً قرين الإيمان وترجمته في ميزان الإسلام .
ولقد ورد في روايات متعددة أن المقصود بقوله تعالى : ( يوم يأتي بعض آيات ربك ) هو أشراط الساعة وعلاماتها ، التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل . وعدوا من ذلك أشراطاً بعينها . . ولكن تأويل الآية على وفق السنة الجارية في هذه الحياة أولى . فقد سبق مثله في أول السورة ، وهو قوله تعالى : ( وقالوا لولا أنزل عليه ملك ، ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ) . . والملاحظ أن السياق يكرر وهو بصدد الكلام عن الشريعة والحاكمية ، ما جاء مثله من قبل وهو بصدد الكلام عن الإيمان والعقيدة ، وأن هذا ملحوظ ومقصود ، لتقرير حقيقة بعينها . فأولى أن نحمل هذا الذي في آخر السورة على ما جاء من مثله في أولها من تقرير سنة الله الجارية . وهو كاف في التأويل ، بدون الالتجاء إلى الإحالة على ذلك الغيب المجهول . .
هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة . . . الآية .
أي : ماذا ينتظر هؤلاء المشركون بعد أن قدمنا لهم كل الدلائل والبينات الداعية إلى الإيمان .
إنهم سيظلون في غيهم إلى أن تنزل عليهم ملائكة الموت فتقبض أرواحهم .
أو يأتي ربك . يوم القيامة ؛ لفصل القضاء بينهم .
أي : أمارات الساعة الدالة على مجيئها .
أو المراد : الآيات والمعجزات التي اقترحوها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمكما ورد في قوله تعالى : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن برقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا . ( الإسراء : 90 –93 ) .
والراجح أن المراد بآيات الله هنا : هو العلامات الصغرى والكبرى ليوم القيامة .
قال أبو السعود في تفسير الآية : وقيل إن المراد . بإتيانه تعالى : إتيان كل آياته بمعنى : آيات القيامة ، والهلاك الكلي بقرينة ما بعده من إتيان بعض آياته تعالى على أن المراد به :
أشراط الساعة التي هي الدخان ، ودابة الأرض ، وخسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ، والدجال ، وطلوع الشمس من مغربها ، ويأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى عليه السلام ، ونار تخرج من عدن ، كما نطق به الحديث الشريف المشهور ( 17 ) .
يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفس إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا .
أي : عند مجيء أشراط الساعة وعلاماتها ، يذهب التكليف فلا ينفع الإيمان حينئذ نفسا كافرة ، لم تكن آمنت قبل ظهورها ، ولا ينفع العمل الصالح نفسا مؤمنة تعمله عند ظهور هذه الأشراط ؛ لأن وقت التكليف الاختياري قد فات . ووجود الإنسان في هذه الدنيا أساسه الاختيار والابتلاء والامتحان . فإذا عمل في مرحلة التكليف الاختياري قبل عمله ، أما إذا عمل بعد ظهور علامات الموت أو علامات القيامة فلا يقبل منه .
معنى الآية : لا ينفع كافرا لم يكن آمن قبل الطلوع – أي : طلوع الشمس من مغربها – إيمان بعد الطلوع ، ولا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع عمل بعد الطلوع ؛ لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ . حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة ، وذلك لا يفيد شيئا ، كما قال تعالى : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا . ( غافر : 85 ) .
وكما ثبت في الحديث الصحيح : ( إن الله قبل توبة العبد ما لم يغرغر ) . وقال الشوكاني في فتح القدير :
يوم يأتي بعض آيات ربك . يوم تأتي الآيات التي اقترحوها ، وهي التي تضطرهم إلى الإيمان ، كطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة التي تكلمهم .
لا ينفع نفس إيمانها . لارتفاع التكليف بذلك ؛ لأن الكل يرون الحق رأي العين فيؤمنون جميعا ، فلا ينفعهم حينئذ الإيمان .
لم تكن آمنت من قبل . أي : من قبل مجيء بعض الآيات فأما التي قد كانت آمنت من قبل مجيء بعض الآيات ؛ فإيمانها ينفعها .
بعمل صالح قدمته ، فمن آمن من قبل فقط ولم يكسب خيرا في إيمانه أو كسب خيرا ولم يؤمن ؛ فإن ذلك غير نافعة .
قال رسوا الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس أمنوا أجمعون ، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها – ثم قرأ الآية - ) ( 18 ) .
أي : قل لهم يا محمد : انتظروا ما تنتظرونه من إتيان الأمور الثلاثة وهي : ( الملائكة ، أو ربك ، أو بعض آيات ربك ) لتروا أي شيء تنتظرون ، فإنا منتظرون معكم ؛ لنشاهد ما يحل بكم من سوء العاقبة .
ولما كان أسوأ السوء حقوق العذاب{[31740]} ، وكان حقوقه بعدم قبول التوبة ، فسره بقوله مهوناً له{[31741]} ومسهلاً بتجريد الفعل : { هل ينظرون } أي ما ينتظرون هؤلاء المكذبون أدنى انتظار وأقربه وأيسره { إلا أن تأتيهم } أي حال تكذيبهم{[31742]} { الملائكة } أي بالأمر الفيصل من عذابهم كما هي عادتها في إتيانها المكذبين { أو يأتي ربك } أي ظهور أمر المحسن إليك أتم ظهور بجميع الآيات التي تحملها العقول وذلك يوم الجزاء { أو يأتي } وأبهم تهويلاً للأمر وتعظيماً فقال : { بعض آيات ربك } أي أشراط الساعة التي يكون{[31743]} فيها ظهوره التام وإحسانه إليك الأعظم مثل دابة الأرض التي تميز الكافر من المؤمن وطلوع الشمس من مغربها المؤذن بإغلاق باب التوبة ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا رآها الناس آمن من عليها ، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل " ، ثم قرأ الآية .
ولما كان إتيان الملائكة - أي كلهم أمراً لا يحتمل العقول وصف عظمته ، ولا بشرى للمجرمين عند رؤيته ، فإنه لو وقع على صورتهم لتقطعت أوصالهم ولم تحتمله{[31744]} قواهم فقضي الأمر ثم لا ينظرون ، وأما تجلي الرب سبحانه وعز اسمه وجلت عظمته . فالأمر أعظم من مقالة قائل *** إن رقق البلغاء أو{[31745]} إن فخموا
ترك ما يترتب عليه وقال : { يوم يأتي } أي يكشف ويظهر{[31746]} { بعض آيات ربك } أي المحسن إليك بالإتيان بذلك تصديقاً لك وترويعاً وتدميراً لمخالفيك { لا ينفع نفساً } أي كافرة { إيمانها } أي إذ ذاك ، ولا نفساً مؤمنة كسبها الخير إذ ذاك في إيمانها المتقدم على تلك الآية بالتوبة فما وراءها{[31747]} ، ولذلك بينه بقوله{[31748]} واصفاً نفساً : { لم تكن } أي الكافرة { آمنت } ويسر الأمر ببعض زمان{[31749]} القبل ، ولم يكلف{[31750]} باستغراقه بالإيمان{[31751]} فقال : { من قبل } أي قبل{[31752]} مجيء الآية في زمن{[31753]} متصل بمجيئها{[31754]} .
ولما ذكر الكافرة ، أتبعها المؤمنة فقال عاطفاً على " آمنت " : { أو } لم تكن المؤمنة العاصية { كسبت } أي من قبل{[31755]} { في إيمانها } أي السابق على مجيء الآية { خيراً } أي توبة ، وبعبارة أخرى : نفساً كافرة{[31756]} إيمانها المجدد بعد مجيء الآية ، وهو معنى { لم تكن آمنت من قبل } أو نفساً مؤمنة كسبها الخير بعد مجيء الآية ما لم تكن كسبت في إيمانها السابق على الآية خيراً ، والحاصل أنه لا يقبل عند ذلك إيمان كافر ولا توبة فاسق - كما قاله البغوي - لأن المقصود من التصديق والتوبة الإيمان بالغيب وقد فات بالآية الملجئة ، فيكون فاعل الفعل المقدر في " كسبت " محذوفاً ، والتقدير : لا ينفع نفساً لم تكن آمنت من قبل ، أو لم تكن كسبت في إيمانها خيراً إيمانها وكسبها ، فالإيمان راجع إلى من لم يؤمن ، والكسب راجع إلى من لم يكسب ، وهو ظاهر ، والتهديد بعدم نفع الإيمان عند مجيء الآية أعظم دليل على ما ذكرته من التقدير ، والآية من الاحتباك : ذكر إيمانها أولاً دليل على حذف كسبها من الجملة الثانية ، وذكر جملتي آمنت وكسبت ثانياً دال على حذف كافرة ومؤمنة أولاً .
ولما كان هذا تهديداً - كما ترى - هائلاً ، أتبعه ما هو أشد منه للتنبيه على أن أهل الإيمان سالمون من ذلك بقوله : { قل انتظروا } أي بغاية جهدكم أيها المكذبون { {[31757]}إنا منتظرون{[31758]} * } بجهدنا ، وستعلمون لمن تكون العاقبة .