ويرد السياق على قولتهم : ( لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون ) . . وهي التي قالوها مهددين متوعدين للمؤمنين بالخسارة ! فيقرر - في تهكم واضح - أن الخسران لم يكن من نصيب الذين اتبعوا شعيباً ، إنما كان من نصيب قوم آخرين :
( الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها . الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين )
ففي ومضة ها نحن أولاء نراهم في دارهم جاثمين . لا حياة ولا حراك . كأن لم يعمروا هذه الدار ، وكأن لم يكن لهم فيها آثار !
كان لم يغنوا فيها : أي كان لم يقيموا في مدينتهم ، والمراد : أنهم استئصلوا بالمرة ، يقال غنى بالمكان يغنى أقام به – والمغنى – المنزل .
{ 92 -الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } .
يقف القرآن هنا موقف الحكم أو القاضي الذي يصدر حكمه بعد سماع أطراف القضية .
فقد دعا شعيب قومه إلى الإيمان بالله وحذرهم من الفساد ثم دافع قوم شعيب عن أنفسهم وحذروا شعيبا ومن آمن معه من عاقبة الإيمان وهي الخسران المادي وخسران الربح من تطفيف الكيل ، وخسران منزلتهم عند الرؤساء .
فيقرر القرآن على سبيل التهكم أن الخسران لم يكن من نصيب من اتبع شعيبا وإنما كان من نصيب المكذبين :
{ الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها } .
أي : هؤلاء الذين كذبوا دعوة شعيب إلى الإيمان والإصلاح كأنهم بعد إهلاكهم بالزلزلة الشديدة لم يقيموا أبدا بديارهم حيث استأصلوا بالرجفة .
قال الشوكاني : أي : أصبحت ديارهم بعد العذاب خرابا خاليا ، يقال : غنيت بالمكان : إذا أقمت به ، أي : كان لم يقيموا في دارهم ؛ لأن الله سبحانه استأصلهم بالعذاب4 .
{ الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين } .
لقد هددوا شعيبا زمن آمن معه بالطرد من المدينة كما حذروا من آمن به من الخسران حيث قالوا : { لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون } .
فرد الله عليهم بأن الخسران الحقيقي هو لمن كفر بالله وباع الأسمى واشترى الأدنى .
فهاهم قوم شعيب قد خسفت بهم أرض القرية الذين هددوا المؤمنين وقالوا لهم : لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا . . .
وهم الذين خسروا قريتهم وديارهم وخسروا دنياهم وأخراهم ، وكان جزاؤهم من جنس ما كانوا يقولون ولكنه يفوقه في الشدة .
ولما أخبر سبحانه بهلاكهم وما سببه من أقوالهم وأفعالهم ، وكان للتخليص من العظمة في القلوب بتصوير المخلص للأذهان ما{[32766]} لا يخفى ، لخص ذلك{[32767]} ذاكراً لأنه{[32768]} حل بهم بالخصوص{[32769]} - ما نسبوا إلى المؤمنين من الخسارة فقال : { الذين كذبوا شعيباً } أي نسبوه إلى الكذب فيما قاله عنا وأيدناه فيه بالبينات { كأن } أي هم المخصصون بالهلاك حتى كأنهم { لم يغنوا } أي ينزلوا ويقيموا ، وبطل مقامهم لاهين بالأفراح والغناء -والاستغناء من المغاني وهي المنازل والاستغناء-{[32770]} { فيها } أي الدار بسبب تكذيبهم .
ولما كان تكذيب الصادقين لا سيما الرسل في غاية الشناعة ، كرره إشارة إلى ذلك وإعلاماً بأنه سبب لهم أعظم من هلاك الأشباح ضد ما سبب التصديق للمؤمنين فقال : { الذين كذبوا شعيباً } أي فكان تكذيبه سبباً لهلاكهم { كانوا } أي بسبب التكذيب أيضاً { هم } أي خاصة { الخاسرين* } أي خسروا أرواحهم كما خسروا أشباحهم فهم لما سوى ذلك أخسر ، وأما الذين اتبعوه فما نالهم شيء من الخسارة ، وفي هذا{[32771]} الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم وتسفيه لآرائهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.