في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ} (33)

29

( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون ) . .

وفي هذا النص يتبين أن المراد بدين الحق الذي سبق في قوله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) . . هو هذا الدين الذي أرسل اللّه به رسوله الأخير . وأن الذين لا يدينون بهذا الدين هم الذين يشملهم الأمر بالقتال . .

وهذا صحيح على أي وجه أوّلنا الآية . فالمقصود إجمالاً بدين الحق هو الدينونة للّه وحده في الاعتقاد والشعائر والشرائع - وهذه هي قاعدة دين اللّه كله ، وهو الدين الممثل أخيراً فيما جاء به محمد - [ ص ] - فأيما شخص أو قوم لم يدينوا للّه وحده في الاعتقاد والشعائر والشرائع مجتمعة ؛ انطبق عليهم أنهم لا يدينون دين الحق ، ودخلوا في مدلول آية القتال . . مع مراعاة طبيعة المنهج الحركي للإسلام ، ومراحله المتعددة ، ووسائله المتجددة كما قلنا مراراً .

( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون )

وهذا توكيد لوعد اللّه الأول : ( ويأبى اللّه إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) . . ولكن في صورة أكثر تحديداً . فنور اللّه الذي قرر سبحانه أن يتمه ، هو دين الحق الذي أرسل به رسوله ليظهره على الدين كله .

ودين الحق - كما أسلفنا - هو الدينونة للّه وحده في الاعتقاد والعبادة والتشريع مجتمعة . وهو متمثل في كل دين سماوي جاء به رسول من قبل . . ولا يدخل فيه طبعاً تلك الديانات المحرفة المشوبة بالوثنيات في الاعتقاد التي عليها اليهود والنصارى اليوم . كما لا تدخل فيه الأنظمة والأوضاع التي ترفع لافتة الدين ، وهي تقيم في الأرض أرباباً يعبدها الناس من دون اللّه ، في صورة الاتباع للشرائع التي لم ينزلها اللّه .

واللّه سبحانه يقول : إنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله . . ويجب أن نفهم " الدين " بمدلوله الواسع الذي بيناه ، لندرك أبعاد هذا الوعد الإلهي ومداه . .

إن " الدين " هو " الدينونة " . . فيدخل فيه كل منهج وكل مذهب وكل نظام يدين الناس له بالطاعة والاتباع والولاء . .

واللّه سبحانه يعلن قضاءه بظهور دين الحق الذي أرسل به رسوله على " الدين " كله بهذا المدلول الشامل العام !

إن الدينونة ستكون للّه وحده . والظهور سيكون للمنهج الذي تتمثل فيه الدينونة للّه وحده .

ولقد تحقق هذا مرة على يد رسول اللّه - [ ص ] - وخلفائه ومن جاء بعدهم فترة طويلة من الزمان . وكان دين الحق أظهر وأغلب ؛ وكانت الأديان التي لا تخلص فيها الدينونة للّه تخاف وترجف ! ثم تخلى أصحاب دين الحق عنه ؛ خطوة فخطوة بفعل عوامل داخلة في تركيب المجتمعات الإسلامية من ناحية وبفعل الحرب الطويلة المدى ، المنوعة الأساليب ، التي أعلنها عليه أعداؤه من الوثنيين وأهل الكتاب سواء . .

ولكن هذه ليست نهاية المطاف . . إن وعد اللّه قائم ، ينتظر العصبة المسلمة ، التي تحمل الراية وتمضي ، مبتدئة من نقطة البدء ، التي بدأت منها خطوات رسول اللّه - [ ص ] - وهو يحمل دين الحق ويتحرك بنور اللّه .

/خ35

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ} (33)

33 – { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } .

هو الذي بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى أي : ما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات والأحكام التي شرعها الله لعباده . ودين الحق وهو الإسلام الذي هو الاعتقاد الحق ، والتوحيد الخالص ، الخالي عن صرف العبادة لأي مخلوق مهما كان عظيما ؛ ليعلى شأن هذا الدين على جميع الأديان كلها ، ولو كره المشركون ذلك الإظهار .

وقد تحقق وعد الله ونصره لهذا الدين بالغلبة والقهر لغيره ، وبإظهار الحجة والبرهان على عدالة الإسلام وسلامة نظامه .

وقد ساق الإمام ابن كثير طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة ؛ التي بشرت الأمة الإسلامية بظهور الإسلام وانتصاره ، ونقلها الدكتور وهبة الزحيلي في التفسير المنير ، والدكتور محمد سيد طنطاوي في تفسير سورة التوبة . اه .

وهذه طائفة من هذه الأحاديث الشريفة :

1 – ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها " 60 .

2 – وروى الإمام أحمد : عن المقداد بن الأسود يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا دخلته كلمة الإسلام ، يعز عزيرا ، ويذل ذليلا ، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها ، " وإما يذلهم فيدينون لها " 61 .

وروى هذا الحديث أيضا عن تميم الداري ، " وكان تميم الداري إذا روى هذا الحديث يقول : قد عرفت ذلك في أهل بيتي ، لقد أصاب من أسلم منهم الشرف والخير والعز ، ولقد أصاب من كان كافرا منهم الذل والصغار والجزية .

2 – وفي مسند أحمد أيضا عن عدي بن حاتم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الدين حتى تخرج الظعينة من الحيرة ، حتى تطوف بالبيت من غير جوار أحد ، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز ، قلت كسرى بن هرمز ؟ ! قال : نعم كسرى بن هرمز ، ويبذلن المال حتى لا يقبله أحد " .

قال عدي بن حاتم : فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من غير جوار أحد ، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز ، والذي نفسي بيده لتكونن في الثالثة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قالها62 .

وفي ختام هذه الآيات نجد أن الحق سبحانه قد نعى على أهل الكتاب اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، وأرشده سبحانه إلى الطريق الصحيح ، وعبادة الإله الواحد ، وبشر المؤمنين بظهور دينهم على الأديان كلها ، " وهذا المعنى الذي نجده في الآيات 31 – 33 من سورة التوبة ، قد ورد أيضا في سورة الصف في قوله سبحانه وتعالى :

{ ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين * يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون . ( الصف : 7 - 9 ) .

ويؤخذ من هذه الآيات ما يأتي :

1 – عظم اليهود والنصارى ، أحبارهم ورهبانهم ، وأطاعوهم فيما حللوا وحرموا ، فتركوا أوامر الله في التوراة والإنجيل واتبعوا أوامر الأحبار والرهبان ، مع مخالفتها للتوراة والإنجيل ، فكأنهم جعلوهم شركاء لله في الأمر والتكليف والتشريع ، وليس المراد أنهم جعلوهم آلهة وعبدوهم ، بل المراد : طاعوهم في أوامرهم ونواهيهم ، وتركوا أوامر الكتاب .

قال الآلوسي في تفسيره :

والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله ، وسنة رسوله ، لكلام علمائهم ورؤسائهم ، والحق أحق بالاتباع ، فمتى ظهر الحق فعلى المسلم اتباعه ، وإن أخطأه اجتهاد مقلده .

2 – أفادت الآيات قوة الإسلام وجمال شريعته ، المشتملة على الصواب والصلاح ، المطابقة للحكمة والمنفعة في الدنيا والآخرة . وأن الإسلام يعلو على كل الأديان ، فلا دين يصمد أمام النقاش العلمي والعقلي ، غير دين الإسلام ، والتاريخ على ممر الزمان ، يؤكد إنجاز هذه الوعود علانية في اقتناع كبار العلماء في كل اختصاص إنساني أو علمي ، بأحقيته في التدين والاعتقاد ، وإصلاح الحياة البشرية .

وظهر الإسلام على كل الأديان في الماضي ، ثم تأخر الإسلام ، والصواب أن يقال : تأخر أهله أما هو فباق ما بقي الليل والنهار ، وإذا عاد المسلمون إلى العمل به والتزموا بهديه وروحه ؛ عادت لهم السيادة والنصر إن شاء الله .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ} (33)

شرح الكلمات :

{ رسوله } : محمداً صلى الله عليه وسلم .

المعنى :

أما الآية الرابعة ( 33 ) فقد أخبر تعالى أنه { هو الذي أرسل رسوله } أي محمداً { بالهدى } وهو القرآن { ودين الحق } الذي هو الإِسلام ، وقوله { ليظهره } أي الدين الحق الذي هو الإِسلام { على الدين كله ولو كره المشركون } . وقد فعل فالإِسلام ظاهر في الأرض كلما سمع به أهل الشرق والغرب ودان به أهل الشرق والغرب وسيأتي يوم يسود فيه المسلمون أهل الدنيا قاطبة بإِذن الله تعالى .

الهداية

من الهداية :

- بشرى المسلمين بأنهم سيسودون العالم في يوم من الأيام ويصبح الإِسلام هو الدين الذي يعبد الله به في لأرض لا غيره ، ويشهد لهذا آية { ويكون الدين كله الله } فلو لم يعلم الله أن ذلك كائن لم يجعله غاية وطالب بالوصول إليها .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ} (33)

قوله تعالى : { ولو كره الكافرون } هو الذي أرسل رسوله " ، يعني : الذي يأبى إلا إتمام دينه هو الذي أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، " بالهدى " ، قيل : بالقرآن . وقيل : ببيان الفرائض ، " ودين الحق " ، وهو الإسلام ، " ليظهره " ، ليعليه وينصره " على الدين كله " ، إلى سائر الأديان ، " ولو كره المشركون " . واختلفوا في معنى هذه الآية : فقال ابن عباس : الهاء عائدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي : ليعلمه شرائع الدين كلها فيظهره عليها حتى لا يخفى عليه منها شيء . وقال الآخرون : الهاء راجعة إلى دين الحق ، وظهوره على الأديان هو أن لا بد أن الله تعالى إلا به . وقال أبو هريرة والضحاك : وذلك عند نزول عيسى بن مريم لا يبقى أهل دين إلا دخل في قال الإسلام . وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى عليه السلام قال : " ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام " .

وروى المقداد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام إما بعز عزيز أو ذل ذليل " ، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهله ، فيعز به ، أو يذلهم فيدينون له . قلت : فيكون الدين كله لله .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب ، ثنا أبو جعفر محمد سليمان بن منصور ، ثنا أبو مسلم بن إبراهيم بن عبد الله الكجي ، ثنا أبو عاصم النبيل ، ثنا عبد الحميد ، هو ابن جعفر ، عن الأسود بن العلاء ، عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى ، قالت : قلت يا رسول الله ما كنت أظن أن يكون ذلك بعدما أنزل الله تعالى : { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } . ثم قال : يكون ذلك ما شاء الله ، ثم يبعث الله تعالى ريحاً طيبة ، فتقبض من كان في قلبه مثقال ذرة من خير ، ثم يبقى من لا خير فيه ، فيرجع الناس إلى دين آبائهم " . قال الحسين بن الفضل : معنى الآية ليظهره على الدين كله بالحجج الواضحة . وقيل : ليظهره على الأديان التي حول النبي صلى الله عليه وسلم فيغلبهم . قال الشافعي رحمه الله : فقد أظهر الله رسوله صلى الله عليه وسلم على الأديان كلها بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق ، وما خالفه من الأديان باطل ، وقال : وأظهره بأن جماع الشرك دينان : دين أهل الكتاب ، ودين أميين فقهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعا وكرها ، وقتل أهل الكتاب وسبى ، حتى دان بعضهم بالإسلام ، وأعطى بعضهم الجزية صاغرين ، وجرى عليهم حكمه ، فهذا ظهوره على الدين كله ، والله أعلم .