في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (123)

121

هكذا يبدأ الحديث عن المعركة التي لم ينتصر فيها المسلمون - وقد كادوا - وهي قد بدأت بتغليب الاعتبارات الشخصية على العقيدة عند المنافق عبد الله بن أبي ؛ وتابعه في حركته أتباعه الذين غلبوا اعتباره الشخصي على عقيدتهم . وبالضعف الذي كاد يدرك طائفتين صالحتين من المسلمين . ثم انتهت بالمخالفة عن الخطة العسكرية تحت مطارق الطمع في الغنيمة ! فلم تغن النماذج العالية التي تجلت في المعركة ، عن المصير الذي انتهت إليه ، بسبب ذلك الخلل في الصف ، وبسبب ذلك الغبش في التصور . .

وقبل أن يمضي في الاستعراض والتعقيب على أحداث المعركة التي انتهت بالهزيمة ، يذكرهم بالمعركة التي انتهت بالنصر - معركة بدر - لتكون هذه أمام تلك ، مجالا للموازنة وتأمل الأسباب والنتائج ؛ ومعرفة مواطن الضعف ومواطن القوة ، وأسباب النصر وأسباب الهزيمة . ثم - بعد ذلك - ليكون اليقين من أن النصر والهزيمة كليهما قدر من أقدار الله ؛ لحكمة تتحقق من وراء النصر كما تتحقق من وراء الهزيمة سواء . وأن مرد الأمر في النهاية إلى الله على كلا الحالين ، وفي جميع الأحوال :

( ولقد نصركم الله ببدر - وأنتم أذلة - فاتقوا الله لعلكم تشكرون . إذ تقول للمؤمنين : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ؟ بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا ، يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين . وما جعله الله إلا بشرى لكم ، ولتطمئن قلوبكم به . وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم . ليقطع طرفا من الذين كفروا ، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين - ليس لك من الأمر شيء - أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون . ولله ما في السماوات وما في الأرض ، يغفر لمن يشاء ، ويعذب من يشاء والله غفور رحيم ) . .

والنصر في بدر كان فيه رائحة المعجزة - كما أسلفنا - فقد تم بغير أداة من الأدوات المادية المألوفة للنصر . لم تكن الكفتان فيها - بين المؤمنين والمشركين - متوازنتين ولا قريبتين من التوازن . كان المشركون حوالي ألف ، خرجوا نفيرا لاستغاثة أبي سفيان ، لحماية القافلة التي كانت معه ، مزودين بالعدة والعتاد ، والحرص على الأموال ، والحمية للكرامة . وكان المسلمون حوالي ثلاثمائة ، لم يخرجوا لقتال هذه الطائفة ذات الشوكة ، إنما خرجوا لرحلة هينة . لمقابلة القافلة العزلاء وأخذ الطريق عليها ؛ فلم يكن معهم - على قلة العدد - إلا القليل من العدة . وكان وراءهم في المدينة مشركون لا تزال لهم قوتهم ، ومنافقون لهم مكانتهم ، ويهود يتربصون بهم . . وكانوا هم بعد ذلك كله قلة مسلمة في وسط خضم من الكفر والشرك في الجزيرة . ولم تكن قد زالت عنهم بعد صفة أنهم مهاجرون مطاردون من مكة ، وأنصار آووا هؤلاء المهاجرين ولكنهم ما يزالون نبته غير مستقرة في هذه البيئة !

فبهذا كله يذكرهم الله - سبحانه - ويرد ذلك النصر إلى سببه الأول في وسط هذه الظروف :

( ولقد نصركم الله ببدر . وأنتم أذلة . فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) . .

إن الله هو الذي نصرهم ؛ ونصرهم لحكمة نص عليها في مجموعة هذه الآيات . وهم لا ناصر لهم من أنفسهم ولا من سواهم . فإذا اتقوا وخافوا فليتقوا وليخافوا الله ، الذي يملك النصر والهزيمة ؛ والذي يملك القوة وحده والسلطان . فلعل التقوى أن تقودهم إلى الشكر ؛ وأن تجعله شكرا وافيا لائقا بنعمة الله عليهم على كل حال .

/خ179

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (123)

121

123- { ولقد نصركم الله ببدر وانتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون }

المفردات :

ببدر : بدر اسم لمكان بين مكة والمدينة كانت به الغزوة المعروفة باسمه .

وانتم أذلة : قليلو العدد والعدة .

التفسير :

تشير الآية إلى معركة بدر وكانت يوم الجمعة 17 رمضان سنة 2 ه وهو يوم الفرقان الذي اعز الله فيه الإسلام وأهله وأذل الشرك واهله هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فيهم فارسا وسبعون بعيرا والباقون مشاة ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والعدة الكاملة والخيول المسومة 74 فأعز الله رسوله وأظهر وحيه وتنزيله .

وقرية بدر لا تزال إلى الآن في الطريق بين مكة والمدينة وهي اقرب إلى المدينة منها إلى مكة وقد زرت هذه القرية وشاهدت مكان المعركة واستشعرت فضل الله وعونه ومدده الذي أمد به المؤمنين في غزوة بدر فنصرهم على عدوهم مع قلة المسلمين وقلة عدتهم وكثرة عدوهم واستكمال عدته ولو تمت أمور هذه الغزوة بمقاييس القوة والاستعداد دون التوكل على الله لكان النصر لقريش دون المسلمين ولكن النصر جرى على سنة الله من نصر المؤمنين المتقين الصابرين المتوكلين على الله تعالى : { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } .

وليس المراد بالذل أنهم كانوا ضعاف النفوس او كانوا راضين بالهوان . . وإنما المراد أنهم كانوا قليلي العدة والعدد فقراء في الأموال وفي وسائل القتال .

قال تعالى في آية أخرى : { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ( التوبة 25 ) .

وقال الإمام احمد عن سماك قال : سمعت عياض الأشعري قال شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء وقال عمر إذا كان قتالا فعليكم أبو عبيدة فكتبنا إليه أنه قد جاش إلينا الموت واستمددناه فكتب إلينا أنه قد جاء في كتابهم تستمدوني وإني أدلكم على من هو أعز نصرا وأحصن جندا الله عز وجل فاستنصروه فإن محمد صلى الله عليه وسلم قد نصر في بدر في اقل من عدتكم فإذا جاءكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني قال فقاتلوهم فهزمناهم أربع فراسخ وأصبنا أموالا كثيرة75 .

فاتقوا الله في الثبات والصبر وامتثال أوامره واجتناب نواهيه .

لعلكم تشكرون . أي لعل الله أن ينعم عليكم بالنصر فتشكروه عليه .

/خ129

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (123)

{ ولقد نصركم الله ببدر } تذكير بنصر الله لهم يوم بدر لتقوى قلوبهم .

{ وأنتم أذلة } الذلة هي قلة عددهم وضعف عددهم كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ولم يكن لهم إلا فرس واحد وكان المشركون ما بين التسعمائة والألف ، وكان معهم مائة فرس فقتل من المشركين سبعون وأسر منهم سبعون وانهزم سائرهم .

{ لعلكم تشكرون } متعلق بنصركم أو باتقوا ؛ والأول أظهر