وأخيرا يختم هذا الدرس ، الذي استعرض فيه صفحة الوجود الحافلة بالآيات والخوارق ، في كل لحظة من ليل أو نهار . . يختمه بأن هؤلاء المشركين يقسمون بالله جهد أيمانهم أن لو جاءتهم آية - أي خارقة مادية كخوارق الرسل السابقة - ليؤمنن بها ! الأمر الذي جعل بعض المسلمين حين سمعوا أيمانهم يقترحون على رسول الله [ ص ] أن يسأل ربه هذه الآية التي يطلبون ! . . ويجيء الرد الحاسم على المؤمنين ، ببيان طبيعة التكذيب في هؤلاء المكذبين :
( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها . قل : إنما الآيات عند الله . وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ؟ )
جهد أيمانهم : أي بقدر جهدهم وطاقتهم في أيمانهم .
109- وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها . . . الآية . أي أقسم أولئك المشركون بالله مجتهدين في أيمانهم مؤكدين إياها بأقصى ألوان التأكيد . معلنين أنهم لئن جاءتهم آية من الآيات الكونية التي اقترحوها عليك يا محمد ليؤمنن بها أنها من عند الله ، وأنك صادق فيما تبلغه عن ربك .
أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن محمد بن كعب القرظي قال : كلم نفر من قريش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا محمد : تخبرنا أن موسى كان معه عصا ضرب بها الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى ، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة ، فأتنا بآية من الآيات حتى نصدقك ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أي شيء تحبون أن آتيكم به ؟ )
قالوا : تجعل لنا الصفا ذهبا ، فقال لهم : ( فإن فعلت تصدقوني ؟ ) قالوا نعم ، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون .
فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو فجاءه جبريل فقال له إن شئت أصبح الصفا ذهبا على أن يعذبهم الله إذا لم يؤمنوا ، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم بل اتركهم حتى يتوب تائبهم ، فأنزل الله تعالى قوله :
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن به . إلى قوله تعالى : ولكن أكثرهم يجهلون . ( الأنعام : 111 ) .
قل إنما الآيات عند الله . أي قل لهم يا محمد إن أمر المعجزات والأمور الخارقة للعادة التي اقترحتم الإيمان عقب مجيئها . عند الله لا عندي فهو وحده القادر على الإتيان بها دوني ، وهو سبحانه يأتي بالآيات حسب حكمته ومشيئته إن شاء أتى بها وإن شاء منعها . أما أنا فليس ذلك إلي .
وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون . وما يدريكم أيها المؤمنون الراغبون في إنزال الآيات والمعجزات طمعا في إيمان هؤلاء المشركين . أنها إذا جاءت لا يصدقون بها ! !
فأنا أعلم أنهم لا يؤمنون ، وأنتم لا تعلمون ذلك ولذا توقعتم إيمانهم .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف : يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمون بها وأنتم لا تدرون بذلك . وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها .
{ قل إنما الآيات عند الله } أي : هي بيد الله لا بيدي { وما يشعركم } أي : ما يدريكم ، وهو من الشعور بالشيء ، و{ ما } نافية أو استفهامية .
{ أنها إذا جاءت لا يؤمنون } من قرأ بفتح أنها فهو معمول { يشعركم } أي : ما يدريكم أن الآيات إذا جاءتهم لا يؤمنون بها ، نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه ، وقيل : لا زائدة ، والمعنى : ما يشعركم أنهم يؤمنون ، وقيل : إن هنا بمعنى لعل فمن قرأ بالكسر فهي استئناف إخبار وتم الكلام في قوله : { وما يشعركم } أي : ما شعركم ما يكون منهم فعلى القراءة بالكسر يوقف على { ما يشعركم } وأما على القراءة بالفتح فإن كانت مصدرية لم يوقف عليه لأنه عامل فيها وإن كانت بمعنى لعل ، فأجاز بعض الناس الوقف ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير ، لما في لعل من معنى التعليل .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.