ثم قال اللّه لنبيه - [ ص ] - :
( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ، واللّه سميع عليم ) . .
ولقد كانت تلك الحساسية التي بعثت الندم والتوبة في تلك القلوب ، جديرة بالطمأنينة ، حقيقة بالعطف الذي يسكب فيها الأمل ، ويفتح لها أبواب الرجاء . . وإن كان رسول اللّه - [ ص ] - وهو يقود حركة ، ويربي أمة ، وينشئ نظاماً ، قد رأى الأخذ بالحزم في أمرهم حتى يأتيه أمر من ربه في شأنهم . . قال ابن جرير : حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس قال : لما أطلق رسول اللّه - [ ص ] - أبا لبابة وصاحبيه ، انطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم ، فأتوا بها رسول اللّه - [ ص ] - فقالوا : خذ من أموالنا فتصدق بها عنا وصل علينا . . يقولون : استغفر لنا . . وطهرنا . فقال رسول اللّه - [ ص ] - لا آخذ منها شيئاً حتى أومر . فأنزل اللّه : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) . يقول : استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوا . فلما نزلت الآية أخذ رسول اللّه - [ ص ] - جزءا من أموالهم ، فتصدق به عنهم " .
وهكذا من اللّه عليهم لما علمه سبحانه من حسن سريرتهم ، وصدق توبتهم ، فأمر رسوله - [ ص ] - أن يأخذ بعض أموالهم يتصدق بها عنهم ، وأن يصلي عليهم - أي يدعو لهم ، فالأصل في الصلاة الدعاء - ذلك أن أخذ الصدقة منهم يرد إليهم شعورهم بعضويتهم الكاملة في الجماعة المسلمة ، فهم يشاركون في واجباتها ، وينهضون بأعبائها ، وهم لم ينبذوا منها ولم ينبتوا عنها ؛ وفي تطوعهم بهذه الصدقات تطهير لهم وتزكية ، وفي دعاء الرسول - [ ص ] - لهم طمأنينة وسكن .
يسمع الدعاء ، ويعلم ما في القلوب . ويقضي بما يسمعه ويعلمه قضاء السميع العليم . وهو وحده الذي يقضي في شأن العباد ، فيقبل منهم توبتهم ويأخذ منهم صدقاتهم ، ورسول اللّه - [ ص ] - ينفذ ما يأمره به ربه ، ولا ينشئ شيئاً من هذا من عنده .
{ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم والله سميع عليم ( 103 ) }
103 { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها . . . } الآية .
قيل : هي صدقة الفرض ، وقيل : هي صدقة مخصوصة بهذه الطائفة المعترفة بذنوبها ؛ لأنهم بعد التوبة عليهم ، عرضوا أموالهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : يا رسول الله ، هذه أموالنا التي خلفتنا عنك ؛ فتصدق بها وطهرنا ، فقال : ( ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا ) فنزلت ، فأخذ منها الثلث وترك لهم الثلثين .
وأكثر الفقهاء : على أن هذه الآية نص في فرضية الزكوات الواجبة ، أو إيجاب أخذ الزكاة من الأغنياء .
والصحيح أن هذه الآية في الزكوات المفروضة ؛ إذ لم يثبت أن هؤلاء القوم أوجب الله عليهم صدقة دون سائر الناس ، سوى زكوات أموال ، وإذا لم يثبت بذلك خبر ، فالظاهر أنهم وسائر الناس سواء في الأحكام والعبادات ، وأنهم غير مخصوصين بها دون غيرهم من سائر الناس ا ه . 138
والمعني : خذ أيها الرسول وكل حاكم مسلم بعدك من أموال هؤلاء التائبين ، ومن غيرهم ، صدقة مقدرة بمقدار معين ، تطهرهم بها من داء البخل والطمع ، وتزكي أنفسهم بها ، وتنمي بها حسناتهم .
أمر الله تعالى رسوله أن يأخذ من أموالهم صدقة ، يطهرهم ويزكيهم بها وهذا عام ، وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم ا ه .
وعند التأمل نجد أنه يمكن أن تكون الآية شاملة تشمل المعترفين بذنبهم ، وتشمل من تجب عليهم الزكاة .
والمعنى : خذ أيها الرسول من هؤلاء المعترفين بذنبهم ، ومن سائر من تجب عليهم الزكاة المفروضة ؛ صدقة معينة ، وهي مال معلوم من شخص معلوم تصرف في مصارف معلومة ، أي ما زاد عن النصاب ، من شخص معلوم هو مالك النصاب وما زاد عليه ، يصرف هذا المال إلى مصارف الزكاة من الفقراء والمساكين .
{ تطهرهم وتزكيهم بها } . أي : إن الزكاة أو الصدقة تطهر النفس من أدران الشح والبخل ، وتنمي الحسنات وترفع الدرجات ، وتسبب البركة والنماء في المال وفي النفس ؛ وفي الحديث الذي رواه أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة : ( ما نقصت صدقة من مال )139 .
{ وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم } . أي : ادع لهم واستغفر وترحم ، بعد أخذك لتلك الصدقة من أموالهم . والصلاة من الله على عباده : الرحمة ، ومن ملائكته : الاستغفار ؛ ومن النبي والمؤمنين : الدعاء .
{ إن صلواتك سكن لهم } . أي : إن دعاءك تسكن له نفوسهم ؛ وتطمئن وتهدأ ؛ وتثق بأن الله قد قبل توبتها أو رفع درجتها ، وينبغي للإمام أو نائبه أن يدعو لكل من أحضر الزكاة أو الصدقة ، أو ساهم في خير أو منفعة للمسلمين ، أو للفقراء والمساكين ، قال تعالى : { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } . ( الرحمان : 60 ) .
{ والله سميع عليم } . فهو سبحانه سميع لدعاء الرسول سماع قبول وإجابة ، وعليم بكل شيء في هذا الكون ، ومطلع على قلوب العباد عند توبتهم أو عند إحضارهم الزكاة ويجازيهم على إخلاصهم .
{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 103 ) }
خذ - يا محمد - من أموال هؤلاء التائبين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا صدقة تطهرهم مِن دنس ذنوبهم ، وترفعهم عن منازل المنافقين إلى منازل المخلصين ، وادع لهم بالمغفرة لذنوبهم واستغفر لهم منها ، إن دعاءك واستغفارك رحمة وطمأنينة لهم . والله سميع لكل دعاء وقول ، عليم بأحوال العباد ونياتهم ، وسيجازي كلَّ عامل بعمله .
ثم أمر الله تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ الصدقات من هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم ومن غيرهم ، فقال : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } .
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : " لما أطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا لبابة وأصحابه جاءوا بأموالهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا ، واستغفر لنا ، فقال " ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا " " .
فأنزل الله تعالى { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً . . . } الآية .
وقال الإِمام ابن كثير : أمر الله تعال - رسوله أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها . وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى الذين اعترفوا بذنوبهم .
ولهذا اعتقد بعض مانعى الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإِمام لا يكون ، وإنما كان هذا خاصا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - ولهذا احتجوا بقوله : - تعالى - : { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً . . . . } الآية .
وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد أبو بكر الصديق وسائر الصحابة ، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة الى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قال الصديق : " الله لومنعونى عناقا كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه " .
والمعنى : خذ - أيها الرسول الكريم - من أموال هؤلاء المعترفين بذنوبهم ، ومن غيرهم من اصحابك " صدقة " معينة ، كالزكاة المفروضة ، أو غير معينة كصدقة التطوع .
وقوله : { تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } بيان للفوائد المترتبة على هذه الصدقة .
أى : من فوائد هذه الصدقة أنها تطهر النفوس من رذائل الشح والبخل والطمع . . وتزكى القلوب من الأخلاق الذميمة ، وتنمى الأموال والحسنات قال بعضهم : قوله : " تطهرهم " قرئ مجزوما على أنه جواب للأمر . وقرئ . مرفوعا على أنه حال من ضمير المخاطب في قوله : " خذ " أو صفة لقوله " صدقة " والعائد على الأول محذوف ثقة بما بعده أى : تطهرهم بها . .
وقوله : " وتزكيهم " لم يقرأ إلا بإثبات الياء ، على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة حال من الضمير في الأمر أو في جوابه . أى : وأنت تزكيهم بها .
هذا على قراءة الجزم في " تطهرهم " ، وأما على قراءة الرفع فيكون قوله " وتزكيهم بها " معطوف على قوله " تطهرهم " حالا أو صفة .
وقوله : وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أى : وادع لهم بالرحمة والمغفرة ، وقبول التوبة ، فإن دعاءك لهم تسكن معه نفوسهم ، وتطمئن به قلوبهم ، ويجعلهم في ثقة من أن الله - تعالى - قد قبل توبتهم ، فأنت روسله الأمين ، ونبيه الكريم .
فالمراد بالصلاة هنا : الدعاءلهم بالرحمة والمغفرة .
قال بعضهم : " وظاهر " قوله : " وصل عليهم " أنه يجب على الإِمام أو نائبه إذا أخذ الزكاة أن يدعو للمتصدق . وبهذا أخذ داود وأهل الظاهر .
وأما سائر الفقهاء فقد حملوا الأمر هنا على الندب والاستحباب ، " لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ : " أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقراءهم " ولم يأمره بالدعاء . .
أما صيغة الدعاء فلم يرد فيها تعيين إلا ما رواه الستة - غير الترمذى من قوله - صلى الله عليه وسلم - " اللهم صلى على آل أبى أوفى " - عندما أخذ منهم الزكاة - .
ومن هنا قال الحنابلة وداود وأهل الظاهر لا مانع من أن يقول آخذ الزكاة : اللهم صل على آل فلان .
وقال باقى الأئمة لا يجوز أن يقال : اللهم صل على آل فلان ، وإن ورد في الحديث ، لأن الصلاة صارت مخصوصة في لسان السلف بالانبياء - صلوات الله عليهم - ، كما أن قولنا : - عز وجل - صار مخصوصا بالله - تعالى - .
قالوا : وإنما أحدث الصلاة على غير الأنبياء مبتدعو الرافضة في بعض الأئمة ، والتشبه بأهل البدع منهى عنه .
ولا خلاف في أنه يجوز أن يجعل غير الأنبياء تبعا لهم فيقال : اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته . . لأن السلف استعملوا ذلك ، وأمرنا به في التشهد ، ولأن الصلاة على التابع تعظيم للمتبوع . .
وقوله : { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أى : سميع لاعترافهم بذنوبهم وسميع لدعائهم سماع قبول وإجابة ، وعليم بندمهم وتوبتهم ، وبكل شئ في هذا الكون ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب .